العيني
184
عمدة القاري
أي هذا باب في قول الله تعالى . . . إلى آخره ، قال الكرماني : الشرط والجزاء متحدان ، إذ معنًى إن لم تفعل إن لم تبلغ . وأجاب بأن المراد من الجزاء لازمه نحو : من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه . قوله : رسالاته ، أي : الإرسال لا بد في الرسالة من ثلاثة أمور المرسل والمرسل إليه والرسول ، ولكل منهم أمر : للمرسل الإرسال ، وللرسول التبليغ وللمرسل إليه القبول والتسليم . وقال : * ( لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً ) * وقال تعالى : * ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ * وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّى وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ) * وقال هكذا في بعض النسخ بدون ذكر فاعله ، وفي بعضها : وقال الله : * ( لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً ) * وقال كَعْبُ بنُ مالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عنِ النبيِّ * ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) * كعب بن مالك الأنصاري هو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، عن غزوة تبوك . قال الكرماني : وجه مناسبته لهذه الترجمة التفويض والانقياد والتسليم ، ولا يستحسن أحد أن يزكي أعماله بالعجلة ، بل يفوض الأمر إلى الله تعالى . وحديث كعب في تفسير سورة براءة مطولاً . وقالَتْ عائِشَةُ : إذَا أعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِىءٍ * ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) * ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ أحَدٌ . أرادت عائشة بذلك أن أحداً لا يستحسن عمل غيره ، فإذا أعجبه ذلك فليقل : اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون قوله : ولا يستخفيك أحد بالخاء المعجمة المكسورة والفاء المفتوحة والنون الثقيلة للتأكيد ، حاصل المعنى : لا تغتر بعمل أحد فتظن به الخير إلاَّ إن رأيته واقفاً عند حدود الشريعة . وهذا الحديث ذكره البخاري في كتاب خلق أفعال العباد مطولاً ، وفيه إذا أعجبك حسن عمل امرئ إلى آخره ، وأرادت بالعمل ما كان من القراءة والصلاة ونحوهما ، فسمت كل ذلك عملاً . وقال مَعْمَرٌ * ( ذَالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) * هاذَا القُرْآنَ * ( ذَالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) * بَيانٌ ودِلاَلَةٌ كَقَوْلِهِ تعالى : * ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلواةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) * هاذَا حُكْمُ الله . معمر بفتح الميمين قيل : هو أبو عبيدة بالضم اللغوي وقيل : هو معمر بن راشد البصري ثم التيمي . قوله : هذا القرآن ، يعني : ذلك ، بمعنى : هذا ، وهو خلاف المشهور ، وهو أن ذلك للبعيد وهذا للقريب . كقوله : * ( لكم حكم الله ) * أي : هذا حكم الله وكقوله : * ( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) * وغيرها أي : هذه أعلام القرآن . قوله : * ( هدى للمتقين ) * فسره بقوله : بيان ودلالة ، بكسر الدال وفتحها ودلولة أيضاً ، حكاهما الجوهري . قال : الفتح أعلى . قال الكرماني : تعلقه بالترجمة نوع من التبليغ سواء كان بمعنى البيان أو الدلالة . * ( ذَالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) * لا شَكَّ * ( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) * وغيرها يَعْنِي هاذِهِ أعْلاَمُ القُرْآنِ . فسر قوله : * ( لا ريب فيه ) * أي : لا شك . قوله : بكل آيات الله أي : هذه آيات الله ، واستعمل : تلك ، التي للبعيد في موضع : هذه ، التي للقريب . ومِثْلُهُ : * ( هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّو 1764 ; اْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) * يَعني : بِكُمْ . أي : مثل المذكور فيما مضى في استعمال البعيد وإرادة القريب . قوله تعالى : * ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) * يعني : بكم . وقال أنَسٌ : بَعَثَ النبيُّ خالهُ حَرَاماً إلى قَوْمِهِ ، وقال : أتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغُ رِسالَةَ رسولِ الله فَجَعَل يُحَدِّثُهُمْ . هذا قطعة من حديث مضى في الجهاد موصولاً من طريق همام عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس ، قال : بعث النبي أقواماً من بني سليم . . . الحديث ، ولفظه في المغازي : عن أنس : فانطلق حرام أخو أم سليم فذكره ، وحرام ضد حلال ابن