العيني
111
عمدة القاري
من الآيتين الكريمتين تنبيهاً على فائدتين : الأولى : من قوله : هي لدفع توهم من قال : إن العرش لم يزل مع الله تعالى ، مستدلين بقوله في الحديث : كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء . وهذا مذهب باطل ، ولا يدل قوله تعالى : * ( وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُو 1764 ; اْ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) * على أنه حال عليه ، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء ، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه تعالى الله عن ذلك ، لأنه لم يكن له حاجة إليه ، وإنما جعله ليتعبد به ملائكته كتعبد خلقه بالبيت الحرام ولم يسمه بيته بمعنى أنه يسكنه ، وإنما سماه بيته لأنه الخالق له والمالك ، وكذلك العرش سماه عرشه لأنه مالكه والله تعالى ليس لأوليته حد ولا منتهى ، وقد كان في أوليته وحده ولا عرش معه . والفائدة الثانية : من قوله : * ( اذْهَب بِّكِتَابِى هَاذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ) * لدفع توهم من قال : إن العرش هو الخالق الصانع . وقوله : * ( رب العرش ) * يبطل هذا القول الفاسد لأنه يدل على أنه مربوب مخلوق ، والمخلوق كيف يكون خالقاً ؟ وقد اتفقت أقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير وأنه جسم ذو قوائم بدليل قوله ، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، وهذا صفة المخلوق لدلائل قيام الحدوث به من التأليف وغيره ، وجاء عن عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة : عرشه من ياقوتة حمراء . قال أبُو العالِيَةِ : اسْتَوَى إلى السَّماءِ ، ارْتَفَعَ . فَسَوَّاهُنَّ : خَلَقَهُنَّ . أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي سمع ابن عباس ، وقال الكرماني : أبو العالية بالمهملة والتحتانية كنية لتابعيين بصريين راويين عن ابن عباس اسم أحدهما : رفيع مصغر رفع ضد الخفض ، واسم الآخر : زياد بالتحتانية الخفيفة . انتهى . قلت : لم يعين أيهما قال : استوى إلى السماء ارتفع ، وكذلك غيره من الشراح أهمل ولم يبين ، والظاهر أنه : رفيع ، لشهرته أكثر من زياد ، ولكثرة روايته عن ابن عباس . والتعليق المذكور وصله الطبري عن محمد بن أبان : حدثنا أبو بكر بن عياش عن حصين عن أبي العالية . . . وقد اختلف العلماء في معنى الاستواء فقالت المعتزلة : بمعنى الاستيلاء والقهر والغلبة كما في قول الشاعر : * قد استوى بشرٌ على العراق * من غير سيف ودم مهراقِ * بمعنى : قهر وغلب ، وأنكر عليهم بأنه لا يقال : استولى ، إلاَّ إذا لم يكن مستولياً ثم استولى ، والله عز وجل لم يزل مستولياً قاهراً غالباً ، وقال أبو العالية : معنى استوى ارتفع ، وفيه نظر لأنه لم يصف به نفسه ، وقالت المجسمة : معناه استقر وهو فاسد لأن الاستقرار من صفات الأجسام ويلزم منه الحلول والتناهي وهو محال في حق الله تعالى . واختلف أهل السنة فقال بعضهم : معناه ارتفع مثل قول أبي العالية ، وبه قال أبو عبيدة والفراء وغيرهما ، وقال بعضهم : معناه ملك وقدر ، وقال بعضهم : معناه علا ، وقيل : معنى الاستواء التمام والفراغ من فعل الشيء ومنه . قوله تعالى : * ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ءَاتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ) * فعلى هذا فمعنى استوى على العرش أتم الخلق وخص لفظ العرش لكونه أعظم الأشياء . وقيل : إن : على ، في قوله : * ( على العرش ) * بمعنى : إلى ، فالمراد على هذا : انتهى إلى العرش ، أي : فيما يتعلق بالعرش لأنه خلق الخلق شيئاً بعد شيء ، والصحيح تفسير استوى بمعنى : علا ، كما قاله مجاهد ، على ما يأتي الآن ، وهو المذهب الحق . وقول معظم أهل السنة : لأن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالعلي . واختلف أهل السنة : هل الاستواء صفة ذات أو صفة فعل ؟ فمن قال : معناه علا ، قال : هي صفة ذات ، ومن قال غير ذلك قال : هي صفة فعل . قوله : فسواهن : خلقهن هو من كلام أبي العالية أيضاً . قوله : خلقهن كذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فسوى خلق ، والمنقول عن أبي العالية بلفظ : فقضاهن ، كما أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عنه في قوله تعالى : * ( هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الاَْرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) * قال : ارتفع . وفي قوله : فقضاهن : خلقهن ، والذي وقع فسواهن ، تغيير وفي تفسير : سوَّى بخلق نظر ، لأن في التسوية قدراً زائداً على الخلق كما في قوله تعالى : * ( الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى ) * وقال مُجاهِدٌ : اسْتَوَى عَلى العَرْشِ .