العيني
109
عمدة القاري
وكثير من الرواة يحدث بالمعنى وليس كلهم فقهاء ، وفي كلام آحاد الرواة جفاء وتعجرف . وقال بعض كبار التابعين : نعم المرء ربنا لو أطعناه ما عصانا ، ولفظ المرء إنما يطلق على الذكور من الآدميين ، فأرسل الكلام وبقي أن يكون لفظ الشخص جرى على هذا السبيل فاعتوره الفساد من وجوه : أحدها أن اللفظ لا يثبت إلاَّ من طريق السمع . والثاني : إجماع الأمة على المنع منه . والثالث : أن معناه أن يكون جسماً مؤلفاً فلا يطلق على الله ، وقد منعت الجهمية إطلاق الشخص مع قولهم بالجسم فدل ذلك على ما قلناه من الإجماع على منعه في صفته ، عز وجل . قوله : لا شخص ، كلمة : لا ، لنفي الجنس ، و : أغير ، مرفوع خبره ، و : أغير ، أفعل تفضيل من الغيرة وهي الحمية والأنفة . وقال عياض : الغيرة مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص ، وأشد ذلك ما يكون بين الزوجين ، هذا في حق الآدمي ، وأما في حق الله فيأتي عن قريب . قوله : وقال عبيد الله بن عمرو بتصغير العبد وبفتح العين في عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم الرقي ، يروي عن عبد الملك هو ابن عمير بن سويد الكوفي وهو أول من عبر نهر جيحون نهر بلخ على طريق سمرقند مع سعيد بن عثمان بن عفان ، خرج غازياً معه ومات سنة ست وثلاثين ومائة ، وعمره يوم مات مائة سنة وثلاث سنين . وقال الخطابي : انفرد به عبيد الله عن عبد الملك ولم يتابع عليه ، ورد بعضهم على الخطابي بقوله : إنه لم يراجع صحيح مسلم ولا غيره من الكتب التي وقع فيها هذا اللفظ من غير رواية عبيد الله بن عمرو ، ورد الروايات الصحيحة والطعن في أئمة الحديث الضابطين مع إمكان توجيه ما رووا من الأمور التي أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث ، وهو يقتضي قصور فهم من فعل ذلك منهم ، ومن ثمة قال الكرماني : لا حاجة لتخطئة الرواة الثقاة بل حكم هذا حكم سائر المتشابهات : إما التفويض وإما التأويل . انتهى . قلت : هذا وقع في عين ما أنكر عليه ، والخطابي لم ينكر هذه اللفظة وحده ، وكذلك أنكرها الداودي وابن فورك والقرطبي ، قال : أصل وضع الشخص في اللغة لجرم الإنسان وجسمه ، واستعمل في كل شيء ظاهر ، يقال : شخص الشيء إذا ظهر ، وهذا المعنى محال على الله . انتهى . فكلامه يدل على أنه لا يرضى بإطلاق هذه اللفظة على الله وإن كان قد أوَّله ، والعجب من هذا القائل : إنه أيد كلامه بما قاله الكرماني ، مع أنه ينسبه في مواضع إلى الغفلة وإلى الوهم والغلط ، ومن أين ثبت له عدم مراجعة الخطابي إلى صحيح مسلم وغيره ؟ وكلامه عام في كل موضع فيه ، والسهو والنسيان غير مرفوعين عن كل أحد يقعان عن الثقات وغيرهم ، وفي نسبة الثقات إلى قصور الفهم واقع هو فيه . 7416 حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ ، حدّثنا أبُو عَوَانَةَ ، حدّثنا عَبْدُ المَلِكِ عنْ ورَّادٍ كاتِبِ المُغِيرَةِ ، عنِ المُغِيرَةِ قال : قال سَعْدُ بنُ عُبادَةَ : لَوْ رَأيْتُ رَجُلاً مع امْرَأتي لَضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رسولَ الله فقال : تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْد والله لأنا أغْيَرُ مِنْهُ ، والله أغْيَرُ مِنِّي ، ومِنْ أجْلِ غَيْرَةِ الله حرَّمَ الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ ، ولا أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ الله ، ومِنْ أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ والمُنْذَرِينَ ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ الله ، ومِنْ أجْل ذالِكَ وعَدَ الله الجَنَّةَ انظر الحديث 6846 مطابقته للترجمة من حيث المعنى ظاهرة ، وموسى بن إسماعيل التبوذكي ؛ وأبو عوانة بفتح العين المهملة وبالنون بعد الألف الوضاح بن عبد الله اليشكري ، وعبد الملك هو ابن عمير ، وقد مر الآن ، ووراد بفتح الواو وتشديد الراء كاتب المغيرة بن شعبة ومولاه ، وسعد بن عبادة بضم العين وتخفيف الباء الموحدة سيد الخزرج . والحديث أخرجه البخاري في كتاب النكاح في : باب الغيرة معلقاً . من قوله : قال وراد . . . إلى قوله : والله أغير مني ، ثم أخرجه موصولاً في كتاب المحاربين في : باب من رأى مع امرأته رجلاً فقتله ، فقال : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة . . . إلى قوله : والله أغير مني . قوله : غير مصفح بضم الميم وسكون الصاد وفتح الفاء وكسرها أي : غير ضارب بعرضه بل بحده ، وقال ابن التين : بتشديد الفاء في سائر الأمهات .