العيني

108

عمدة القاري

وقيل : الأضراس ، وقيل : الدواخل من الأضراس التي في أقصى الحلق ، وزاد شيبان بن عبد الرحمن : تصديقاً لقول الحبر ، وفي رواية فضيل : تعجباً وتصديقاً له ، وعند مسلم : تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له ، وفي رواية جرير عنده : وتصديقاً له ، بزيادة : واو ، وأخرجه ابن خزيمة من رواية إسرائيل عن منصور : حتى بدت نواجذه تصديقاً له . ثم الكلام هنا في مواضع . الأول : في أمر الإصبع ، قال ابن بطال : لا يحمل الإصبع على الجارحة بل يحمل على أنه صفة من صفات الذات لا يكيف ولا يحدد وهذا ينسب إلى الأشعري ، وعن ابن فورك : يجوز أن يكون الإصبع خلقاً يخلقه الله فيحمل ما يحمل الإصبع ، ويحتمل أن يراد به القدرة والسلطان . وقال الخطابي : لم يقع ذكر الإصبع في القرآن ولا في حديث مقطوع به ، وقد تقرر أن اليد ليست جارحة حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الأصابع ، بل هو توقيف أطلقه الشارع فلا يكيف ولا يشبه ، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهود ، فإن اليهود مشبهة وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه ولا تدخل في مذاهب المسلمين ، ورد عليه إنكاره ورود الإصبع لوروده في عدة أحاديث . منها : حديث مسلم : إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن ، قيل : هذا لا يرد عليه لأنه إنما نفى القطع ، وفيه نظر لا يخفى ، أقول : لا يمنع ثبوت الإصبع الذي هو غير الجارحة ، فكما ثبت اليد أنها غير جارحة فكذلك الإصبع . الموضع الثاني : في تصديق النبي ، إياه ، قال الخطابي : قول الراوي تصديقاً له ، ظن منه وحسبان وروى هذا الحديث غير واحد من أصحاب عبد الله فلم يذكروا فيه : تصديقاً له ، وقال القرطبي في المفهم وأما من زاد : تصديقاً له ، فليس بشيء فإن هذه الزيادة من قول الراوي وهي باطلة لأن النبي لا يصدق المحال ، وهذه الأوصاف في حق الله تعالى محال ، وطول الكلام فيه ثم قال : ولئن سلمنا أن النبي صرح بتصديقه لم يكن ذلك تصديقاً في المعنى بل في اللفظ الذي نقله من كتابه عن نبيه ، ويقطع بأن ظاهره غير مراد . الموضع الثالث : في ضحك النبي قال القرطبي : وضحك النبي إنما هو للتعجب من جهل اليهودي ، فظن الراوي أن ذلك التعجب تصديق ، وليس كذلك ، وقال ابن بطال : حاصل الخبر أنه ذكر المخلوقات وأخبر عن قدرة الله جميعاً ، فضحك النبي تعجباً من كونه يستعظم ذلك ، في قدرة الله تعالى . الموضع الرابع : في أن النبي ما كان يضحك إلا تبسماً ، وهنا ضحك حتى بدت نواجذه ، وهو قهقهة . قال الكرماني : كان التبسم هو الغالب ، وهذا كان نادراً ، أو : المراد بالنواجذ الأضراس مطلقاً . الموضع الخامس : في الحكمة في قراءته قوله تعالى : * ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاَْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * فقيل : أشار بهذا إلى أن الذي قاله اليهودي يسير في جنب ما يقدر عليه ، أي : ليس قدرته بالحد الذي ينتهي إليه الوهم أو يحيط به الحد والبصر ، وقال الخطابي : الآية محتملة للرضاء والإنكار ، وقال القرطبي : ضحكه تعجباً من جهل اليهودي فلذلك قرأ هذه الآية : * ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاَْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * أي : ما عرفوه حق معرفته وما عظموه حق عظمته . ( بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : ( لا شَخْصَ أغْيَرُ مِنَ الله ) ) أي : هذا باب في قول النبي ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : لا شخص أغير من الله ووقع في بعض النسخ : باب قول النبي ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : لا أحد أغير من الله ، وقال عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك : لا شخص أغير من الله ، وابن بطال غير قوله : لا شخص بقوله : لا أحد ، وعليه شرح . وقال : اختلف ألفاظ هذا الحديث فلم يختلف في حديث ابن مسعود أنه بلفظ : لا أحد ، فظهر أن لفظ : شخص ، جاء في موضع : أحد ، فكان من تصرف الراوي . قلت : اختلاف ألفاظ الحديث هو أن في رواية ابن مسعود : ما من أحد أغير من الله ، وفي رواية عائشة : ما أحد أغير من الله ، وفي رواية أسماء : لا شيء أغير من الله ، وفي رواية أبي هريرة : إن الله تعالى يغار ، كل ذلك مضى في كتاب النكاح في : باب الغيرة ، ورواية ابن مسعود مبينة أن لفظ : الشخص ، موضوع موضع : أحد ، وقال الداودي : في قوله : لا شخص أغير من الله لم يأت متصلاً ولم تتلق الأمة مثل هذه الأحاديث بالقبول ، وهو يتوقى في الأحكام التي لا تلجىء الضرورة الناس إلى العمل به . وقال الخطابي : إطلاق الشخص في صفات الله غير جائز لأن الشخص إنما يكون جسماً مؤلفاً ، وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة ، وأن تكون تصحيفاً من الراوي