العيني
101
عمدة القاري
ذَكَرَنِي ، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي ، وإنْ ذَكَرَني في مَلأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وإنْ تَقَرَّبَ إليَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعاً ، وإنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعاً تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعاً ، وإنْ أتاني يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً مطابقته للترجمة في قوله : ذكرته في نفسي والحديث من أفراده . قوله : أنا عند ظن عبدي بي يعني : إن ظن أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلك ، وإن ظن العقوبة والمؤاخذة فكذلك ، ويقال : إن كان فيه شيء من الرجاء رجاه لأنه لا يرجو إلاَّ مؤمن بأن له ربّاً يجازي ، ويقال : إني قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامله به . وقال الكرماني : وفيه إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف . قوله : وأنا معه أي : بالعلم إذ هو منزه عن المكان ، وقيل : أنا معه بحسب ما قصد من ذكره لي . قوله : فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي يعني : إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سرّاً ذكرته بالثواب والرحمة سرّاً ، وقيل : معناه إن ذكرني بالتعظيم أذكره بالإنعام . قوله : وإن ذكرني في ملأ أي : في جماعة ذكرته في ملأ خير منهم يعني الملائكة المقربين . وقال ابن بطال : هذا الحديث نص من الشارع على أن الملائكة أفضل من بني آدم ، ثم قال : وهو مذهب جمهور أهل العلم ، وعلى ذلك شواهد من كتاب الله تعالى ، منها قوله تعالى : * ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) * ولا شك أن الخلود أفضل من الفناء ، فكذلك الملائكة أفضل من بني آدم وإلاَّ فلا يصح معنى الكلام . قلت : ما وافق أحد على أن هذا مذهب الجمهور ، بل الجمهور على تفضيل البشر ، وفيه الخلاف المشهور بين أهل السنة والمعتزلة ، وأصحابنا الحنفية فصلوا في هذا تفصيلاً حسناً : وهو أن خواص بني آدم أفضل من خواص الملائكة ، وعوام بني آدم أفضل من عوامهم ، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم ، واستدلالهم بهذا الحديث على تفضيل الملائكة على بني آدم لا يتم لأنه يحتمل أن يراد بالملأ الخير الأنبياء أو أهل الفراديس . قوله : وإن تقرب إليّ بشبر هكذا رواية المستملي والسرخسي : بشبر ، بزيادة الباء في أوله وفي رواية غيرهما : شبراً ، بالنصب أي : مقدار شبر ، وكذلك تقدير ذراعاً مقدار ذراع ، وتقدير : باعاً مقدار باع . قوله : هرولة أي : إتياناً هرولة والهرولة الإسراع ونوع من العدو وأمثال هذه الإطلاقات ليس إلاَّ على سبيل التجوز إذ البراهين العقلية القاطعة قائمة على استحالتها على الله تعالى ، فمعناه : من تقرب إليّ بطاعة قليلة أجازيه بثواب كثير ، وكلما زاد في الطاعة أزيد في الثواب ، وإن كان كيفية إتيانه بالطاعة على التأني يكون كيفية إتياني بالثواب على السرعة . فالغرض أن الثواب راجح على العمل مضاعف عليه كماً وكيفاً ، ولفظ : النفس والتقرب والهرولة ، إنما هو مجاز على سبيل المشاكلة ، أو على طريق الاستعارة ، أو على قصد إرادة لوازمها ، وهو من الأحاديث القدسية الدالة على كرم أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين . 16 ( ( بابُ قَوْلِ الله تَبَارَكَ وتعالى : * ( وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهاً ءَاخَرَ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * ) ) أي : هذا باب في قول الله عز وجل . . . إلى آخره . قوله : وكذا في قوله * ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلْالِ وَالإِكْرَامِ ) * وقال ابن بطال : في هذه الآية والحديث دلالة على أن لله وجهاً ، وهو من صفة ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين ، كما نقول : إنه عالم ولا نقول إنه كالعلماء الذين نشاهدهم . وقال غيره : دلت الآية على أن المراد بالوجه الذات المقدسة ، ولو كانت صفة من صفات العلم لشملها الهلاك كما شمل غيرها من الصفات ، وهو محال . وقال الكرماني ما حاصله : إن المراد بالوجه الذات ، وقال أبو عبيدة : إلاّ جاهه ، واحتج بقوله : لفلان جاه في الناس ، أي : وجه . وقيل : إلاَّ إياه ، ولا يجوز أن يكون وجهه غيره لاستحالة مفارقته له بزمان أو مكان أو عدم أو وجود ، فثبت أن له وجهاً لا كالوجوه لأنه * ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الاَْنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) * 7406 حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ ، حدّثنا حَمَّادٌ عنْ عَمْرٍ وعنْ جابِرٍ بنِ عَبْدِ الله قال : لمّا نزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ : * ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الاَْيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ) * قال النَّبيَّ أعُوذُ