العيني

61

عمدة القاري

بِدِمَشْقَ أنَّهُ قَدْ زَنَى ولَمْ يَرَوْهُ ، أكُنْتَ تَرْجُمُهُ ؟ قال : لا . قُلْتُ : أرَأيْتَ لَوْ أنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلى رَجُلٍ بِحِمْصَ أنهُ سَرَقَ أكُنْتَ تَقْطَعُهُ ولَمْ يَرَوْهُ ؟ قال : لا . قُلْتُ : فَوَالله ما قَتَلَ رسولُ الله أحَداً قَط ، إلاّ في إحْدَى ثَلاثِ خِصالٍ : رَجُلٌ قَتَلَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِلَ ، أوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصانٍ ، أوْ رَجُلٌ حارَبَ الله ورَسُولَهُ وارْتَدَّ عَنِ الإسْلاَمِ . فقال القَوْمُ : أوَ لَيْسَ قَدْ حَدَّثَ أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله قَطَعَ في السَّرَقِ ، وسَمَرَ الأعْيُنَ ثُمَّ نَبَذَهُمْ في الشَّمْسِ ؟ فَقُلْتُ : أنا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ أنَس . حدّثني أنَس أنَّ نَفَراً مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلى رسولِ الله فَبَايَعُوهُ عَلى الإسْلامِ فاسْتَوْخَمُوا الأرْضَ فَسَقِمَتْ أجْسامُهُمْ ، فَشَكَوْا ذالِكَ إلى رسولِ الله قال : أفَلا تَخْرُجُونَ مَعَ راعِينا في إبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ ألْبانِها وأبْوالِها قالُوا : بَلاى ، فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ ألْبانِها وأبْوالِها فَصَحُّوا فَقَتلُوا راعِيَ رسولِ الله وأطْرَدُوا النَعَمَ ، فَبَلَغَ ذالِكَ رسولَ الله فأرْسَلَ في آثارِهِمْ ، فأُدْركُوا فَجِيءَ بِهِمْ فأمَرَ بِهِمْ فَقُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ وسَمَرَ أعْيُنَهُمْ ثُمَّ نَبَذَهُمْ في الشَّمْسِ ، حتَّى ماتُوا . قُلْتُ : وأيُّ شيءٍ أشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ ؟ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ، وَقَتَلُوا ، وَسَرَقُوا . فقال عَنْبَسَةُ بنُ سَعيدٍ : والله إنْ سَمِعْتُ كاليَوْمِ قَطُّ . فَقُلْتُ : أتَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي يا عَنْبَسَةُ ؟ قال : لا ، ولاكِنْ جِئْتَ بِالحَدِيثِ عَلى وَجْهِهِ ، والله لا يَزالُ هاذا الجُنْدُ بِخَيْرٍ ما عاشَ هاذا الشَّيْخُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ . قُلْتُ : وَقَدْ كان في هاذا سُنَّةٌ مِنْ رسولِ الله دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِن الأنْصارِ فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَيْن أيْدِيهِمْ فقُتِلَ ، فَخَرَجُوا بَعْدَهُ فإذا هُمْ بِصاحِبِهِمْ يَتَشَحَّطُ في الدَّمِ ، فَرَجَعُوا إلى رسول الله فقالُوا : يا رسولَ الله صاحِبنا كان تَحَدَّثَ مَعَنا فَخَرَجَ بَيْنَ أيْدينا فإذا نَحْنُ بِهِ يَتَشَحَّطُ في الدَّمِ ، فَخَرَجَ رسولُ الله فقال : بِمَنْ تَظُنَّونَ أوْ تَرَوْنَ قَتْلَهُ ؟ قالُوا : نَراى أنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ . فأرْسَلَ إلى اليَهُودِ فَدَعاهُمْ ، فقال : آنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذا ؟ قالُوا : لا . قال : أتَرْضَوْنَ نَفَلَ خَمْسِينَ مِنَ اليَهُودِ ما قَتَلُوهُ ؟ فقالُوا : ما يُبالُونَ أنْ يَقْتُلونا أجْمَعِينَ ، ثُم يَنْتَفِلُونَ . قال : أفَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ بِأيْمانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ؟ قالُوا : ما كنَّا لِنَحْلِفَ . فَوَداهُ مِنْ عِنْدِهِ . قُلْتُ : وقَدْ كانَتْ هُذَيْلٌ خَلَعُوا حَلِيفاً لَهُمْ في الجاهِلِيَّةِ ، فَطَرَقَ أهْلَ بَيْتٍ مِنَ اليَمَنِ بِالبَطْحاءِ فانْتَبَهَ لهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، فَحَذَفَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ ، فَجاءَتْ هُذَيْلٌ فأخَذُوا اليَمانِيَ فَرَفَعُوهُ إلى عُمَرَ بِالمَوْسِمِ ، وقالُوا : قَتَلَ صاحِبَنا . فقال : إنَّهُمْ قَد خَلَعُوهُ . فقال : يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْ هُذَيْلٍ ما خَلَعُوهُ ؟ قال : فأقْسَمَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وأرْبَعُونَ رَجُلاً ، وقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنَ الشَّأمِ ، فَسَألُوهُ أنْ يُقْسِمَ فافْتَدَى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بألْفِ دِرْهَمٍ ، فأدْخَلُوا مَكانَهُ رَجُلاً آخَرَ ، فَدَفَعَهُ إلى أخِي المَقْتُولِ ، فَقُرِنَتْ يَدُهُ بِيَدِهِ . قالُوا : فانْطَلَقْنا والخَمْسُونَ الّذِينَ أقْسَمُوا ، حتَّى إذا كانُوا بِنَخْلَةَ