العيني

51

عمدة القاري

ولا إذا قتل نفسه عمداً . وقال الإسماعيلي : وليس مطابقاً لما بوب له . قلت : إنما قال : خطأ ، لمحل الخلاف فيه . قال ابن بطال ، قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق : تجب ديته على عاقلته فإن عاش فهي له عليهم وإن مات فهي لورثته . وقال الجمهور ، منهم : ربيعة ومالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي : لا شيء فيه . وحديث الباب حجة لهم حيث لم يوجب الشارع لعامر بن الأكوع دية على عاقلته ولا على غيرها ، ولو وجب عليها شيء لبينه لأنه مكان يحتاج فيه إلى البيان ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، والنظر يمنع أن يجب للمرء على نفسه شي بدليل الأطراف فكذا الأنفس . وأجمعوا على أنه إذا قطع طرفاً من أطرافه عمداً أو خطأ لا يجب فيه شيء . قال الكرماني : إن لفظ : فلا دية له ، في الترجمة المذكورة لا وجه له ، وموضعه اللائق به الترجمة السابقة أي : إذا مات في الزحام فلا دية له على المزاحمين عليه ، لظهور : أن قاتل نفسه لا دية له ، ولعله من تصرفات النقلة عن نسخة الأصل . وقالت الظاهرية : ديته على عاقلته ، فربما أراد البخاري بهذا ردهم . انتهى . قلت : على هذا لا وجه لقوله : وموضعه اللائق به الترجمة السابقة ، بل اللائق به أن يذكر في الترجمتين جميعاً . فافهم . 6891 حدّثنا المَكّيُّ بنُ إبْراهِيمَ ، حدّثنا يَزيدُ بنُ أبي عُبَيْدٍ ، عنْ سَلَمَةَ قال : خَرَجْنا مَعَ النَّبيِّ إلى خَيْبَرَ ، فقال رَجُل مِنْهُمْ : أسْمِعْنا يا عامِرُ مِنْ هُنَيَّاتِكَ ، فَحَدَا بِهِمْ فقال النبيُّ مَنْ السَّائِقُ قالُوا : عامِرٌ . فقال : رَحِمَهُ الله فقالُوا : يا رسولَ الله هَلاَّ أمْتَعْتَنا بِهِ ؟ فأُصيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ فقالَ القَوْمُ : حَبطَ عَمَلُهُ قَتَلَ نَفْسَهُ ، فَلمَّا رَجَعْتُ وهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أنَّ عامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ ، فَجِئْتُ إلى النَّبيِّ فَقُلْتُ يا نَبِيَّ الله فَداكَ أبي وأُمِّي زَعَمُوا أن عامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ ؟ فقالَ : كَذَبَ مَنْ قالَها ، إنَّ لهُ لأجْرَيْنِ اثْنَيْنِ : إنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجاهِدٌ وأيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ ؟ مطابقته للترجمة من حيث إنه لم يحكم بالدية لورثة عامر على عاقلته أو على بيت مال المسلمين . ويزيد من الزيادة ابن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع بفتحتين ابن عمرو بن الأكوع واسمه سنان الأسلمي . وهذا الحديث هو التاسع عشر من ثلاثيات البخاري ، وقد مضى في المغازي عن القعنبي ، وفي الأدب عن قتيبة ، وفي المظالم عن أبي عاصم النبيل ، وفي الذبائح عن مكي بن إبراهيم ، وفي الدعوات عن مسدد . وأخرجه مسلم وابن ماجة أيضاً . وقد مضى الكلام فيه . قوله : إلى خيبر هي قرية كانت لليهود نحو أربع مراحل من المدينة إلى الشام . قوله : أسمعنا بفتح الهمزة أمر من الإسماع . وعامر هو عم سلمة ، وقيل : أخوه . قوله : من هنياتك بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء آخر الحروف جمع هنية وقد تبدل الياء هاء فيقال : هنيهة ، ويجمع على هنيهات ، وأراد بها الأراجيز ، ووقع في رواية المستملي بحذف الياء . قوله : فحدا بهم أي : ساقهم منشداً للأراجيز . قوله : أمتعتنا به أي : وجبت له الشهادة بدعائك وليتك تركته لنا وكانوا قد عرفوا أنه لا يدعو لأحد خاصة عند القتال إلاَّ استشهد . قوله : فأصيب على صيغة المجهول أي : فأصيب عامر صبيحة ليلته تلك . قوله : فلما رجعت القائل به عامر . قوله : وهم يتحدثون الواو فيه للحال . قوله : اثنين تأكيد لقوله : أجرين قوله : لجاهد مجاهد كلاهما اسم الفاعل الأول من جهد والثاني من جاهد مجاهدة ، ومعناه : جاهد في الخير مجاهد في سبيل الله ، وقال الكرماني : ويروى أنه لجاهد بلفظ الماضي مجاهد بفتح الميم جمع مجهد يعني : حضر مواطن من الجهاد عدة مجاهد . قوله : وأي قتل يزيده عليه أي : أي قتل يزيده الأجر على أجره ؟ ويروى : يزيد ، بدون الهاء ، وقيل : أي أنه بلغ أرقى الدرجات وفضل النهاية . وفي التوضيح وإنما قالوا : حبط عمله ، لقوله تعالى : * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * وهذا إنما هو فيمن يتعمد قتل نفسه ، إذ الخطأ لا ينهى عنه أحد ، وقال الداودي : ويحتمل أن يكون هذا قبل قوله تعالى : * ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ) *