العيني

74

عمدة القاري

والحديث مر في ذكر بني إسرائيل عن أبي الوليد ويحيى في التوحيد عن عبد الله بن أبي الأسود . وأخرجه مسلم في التوبة عن عبيد الله بن معاذ وغيره . قوله : ( أو قبلكم ) ، شك من الراوي . قوله : ( يعني : أعطاه مالاً ) ، هذا تفسير لقوله : ( آتاه الله ) وهو بالمد بمعنى : أعطاه وبالقصر بمعنى المجيء . قوله : ( مالاً ) بعد قوله : ( أعطاه ) رواية الكشميهني ، ولا معنى لإعادة لفظ : مالاً ، وفي رواية غيره : أعطاه ، بلا ذكر مالاً . ( فلما حضر ) بضم الحاء وكسر الضاد المعجمة أي : فلما حضره أوان الموت . قوله : ( خير أب ) بالنصب أي : كنت خير أب ، وبالرفع أي : أنت خير أب . قوله : ( لم يبتئر ) من الابتئار افتعال من البار بالباء الموحدة والراء ومعناه لم يدخر ولم يخبأ ، هكذا فسره قتادة ، وأصله من البئيرة بمعنى الذخيرة والخبيئة ، قال أهل اللغة : بارت الشيء وابتأرته إبارة وابتئره إذا خبأته ، ووقع في رواية ابن السكن : لم يأبتر ، بتقديم الهمزة على الباء الموحدة حكاه عياض ومعناه : لم يقدم خيراً يقال : بأرته وابتارته ، كما ذكرناه ، ووقع في التوحيد في رواية أبي زيد المروزي : لم يبتئر أو لم يبتئر بالشك في الزاي أو الراء ، وفي رواية الجرجاني بنون بدل الباء الموحدة ، والزاي ، قيل : كلاهما غير صحيح ، ويروى في غير البخاري : يبتهر ، بالهاء بدل الهمزة وبالراء ويمتئر بالميم بدل الباء الموحدة وبالراء . قوله : ( وإن يقدم على الله يعذبه ) كذا هنا بسكون القاف وفتح الدال من القدوم وهو بالجزم على الشرطية ، وكذا يعذبه بالجزم لأنه جزاء ، والمعنى أنه إن بعث يوم القيامة على هيئته يعرفه كل أحد ، فإذا صار رماداً مبثوثاً في الماء أو الريح لعله يخفى . ووقع في حديث حذيفة عند الإسماعيلي من رواية أبي خيثمة عن جرير بسند حديث الباب : فإنه إن يقدر علي ربي لا يغفر لي ، وكذا في حديث أبي هريرة : لئن قدر الله علي ، قيل : كيف غفر لهذا الذي أوصى بهذه الوصية وقد جهل قدرة الله على إحيائه ؟ . وأجيب : بأن الناس اختلفوا في تأويل هذا الحديث ، فقيل : أما عفو الله عما كان منه في أيام صحته من المعاصي فلندمه عليها وتوبته منها عند موته ، ولذلك أمر ولده بإحراقه وتذريته في البر والبحر خشية من عذاب ربه والندم توبة . قلت : فيه نظر ، لأن كون الندم توبة إنما هو لهذه الأمة ، ألا يُرى ما حكى الله عن قابيل بقوله : * ( فأصبح من النادمين ) * ( المائدة : 13 ) فلم يكن ندمه توبة ، وقيل : إن معنى قوله : إن قدر الله على القدرة التي هي العجز وإنه كان عنده أنه إذا أحرق وذري أعجز ربه عن إحيائه ، فهو على أنه غفر له لجهله بالقدرة لأنه لم يكن تقدم في ذلك الزمان أنه لا يغفرالشرك به ، وليس في العقل دليل على أن ذلك غير جائز في حكمة الله تعالى ، وإنما نقول : لا يجوز أن يغفر الشرك بعد نزول قوله تعالى : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) * ( النساء : 84 و 611 ) . وأما جواز غفران الله ذلك فلفضله الأعم وغنائه الأتم لأنه لا يضره كفر كافر ولا ينفعه إيمان مؤمن . وقيل : معنى أن قدر الله علي أن ضيق على كقوله تعالى : * ( ومن قدر عليه رزقه ) * ( الطلاق : 7 ) أي : ضيق ولم يرد بذلك وصف خالقه بالعجز عن إعادته ، وقيل : إنما غفر له لأنه غلب على فهمه من الجزع الذي كان لحقه من خوف الله وعذابه فيعذر ، ومثل هذا إنما يكون كفراً ممن يقصد به الكفر وهو يعقل ما يقول ، وقيل : غفر له بأصل توحيده الذي لا تضر معه معصية ، وعزى ذلك إلى المرجئة . قوله : ( فأحرقوني ) وفي رواية حذيفة الذي أخرجه البخاري في بني إسرائيل فاجمعوا لي حطباً كثيراً ثم أوروا ناراً حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها واطحنوها . قوله : ( فاستحقوني ) من السحق وهو دق الشيء ناعماً ، أو قال : ( فاسهكوني ) ، شك من الراوي من السهك . قالوا : السحق والسهك بمعنى واحد . وقيل السهك ونه وهو أن يفت الشيء أو يدق قطعاً صغاراً . قوله : ( فاذروني ) يصح أن يقرأ موصول الألف من ذرأت الشيء فرقته ، ويصح أن يكون أصله من الثلاثي المزيد فيه فيقطع الهمزة من قولهم : أذرت العين دمعها ، وأذريت الرجل عن فرسه أي : رميته . وقال ابن التين : قرأناه بقطع الهمزة . قوله : ( فأخذه مواثيقهم ) جمع ميثاق وهو العهد . قوله : ( وربي ) هو على القسم عن المخبر بذلك عنهم لتصحيح خبره ، ويحتمل أن يكون حكاية الميثاق الذي أخذه ، أي : قال لمن أوصاه : قل : وربي لأفعلن ذلك ، وفي ( صحيح مسلم ) : فأخذ منهم ميثاقاً ففعلوا ذلك ، وربي قال القاضي عياض . وفي بعض نسخه . ففعلوا ذلك وذرى ، قال : فإن صحت هذه الرواية فهي وجه الكلام ولعل الذال سقطت لبعض النساخ وتابعه الباقون ، وقال الكرماني : ولفظ البخاري يحتمل أن يكون بصيغة الماضي من التربية . أي : ربي أخذ المواثيق والمبايعات لكنه موقوف على الرواية ، وقال بعضهم : وأبعد الكرماني ثم نقل ذلك عنه . قلت : ما جزم بذلك حتى يقال فيه : وأبعد ، وإنما قيد بصحة الرواية