العيني

60

عمدة القاري

علي بن مسهر : وأين يقع هذا اللبن من أهل الصفة ؟ قوله : ( فإذا جاء ) كذا فيه بالإفراد في بعض النسخ ، أي : إذا جاء من أمرني بطلبه وفي رواية الأكثرين : فإذا جاؤوا ، بصيغة الجمع كما في نسختنا . قوله : ( أمرني ) أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ) أي : قائلاً في نفسي : وما عسى . . . قال الكرماني : والظاهر أن عسى مقحم . قوله : ( وأخذوا مجالسهم من البيت ) يعني : قعد كل واحد منهم في المجلس الذي يليق به ولم يذكر عددهم وقد تقدم في أبواب المساجد في كتاب الصلاة من طريق أبي حازم عن أبي هريرة : رأيت سبعين من أصحاب الصفة . . . الحديث ، وذكر في ( الحلية ) : أن عدتهم تقرب من المائة ، وقال أبو نعيم : كان عدد أهل الصفة يختلف بحسب اختلاف الحال فربما اجتمعوا فكثروا ، وربما تفرقوا إما لغزو أو سفر أو استغناء ، فقلوا ، وقيل هنا : كانوا أكثر من سبعين . قوله : ( خذ ) أي : القدح الذي فيه اللبن فأعطهم ، وصرح هكذا في رواية يونس . قوله : ( حتى يروى ) بفتح الواو نحو رضي يرضى . قوله : ( ثم يرد على القدح فأعطيه الرجل ) قال الكرماني : الرجل الثاني معرفة معادة ، فيكون عين الأول على القاعدة النحوية لكن المراد غيره : ثم أجاب بأن ذلك حيث لا قرينة ، ولفظ : ( حتى انتهيت ) قرينة المغايرة ، كما في قوله عز وجل : * ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ) * ( / آل عمران : 62 ) . قوله : ( فتبسم ) كان ذلك لأجل توهم أبي هريرة أن لا يفضل له من اللبن شيء . قوله : ( فقال : أبا هر ) أي : يا أبا هر ، وفي رواية علي بن مسهر : فقال : أبو هريرة ، أي : فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، أبو هريرة ، وقد ذكرنا وجهه عن قريب . قوله : ( قال : بقيت أنا وأنت ) هذا بالنسبة إلى من حضر من أهل الصفة . فأما من كان في البيت من أهل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتعرض لذكرهم ، ويحتمل أن لا يكون إذ ذاك في البيت أحد أو كانوا أخذوا كفايتهم ، وكان الذي في القدح نصيب النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( فأرني ) وفي رواية روح ( ناولني القدح ) . قوله : ( فحمد الله وسمى ) أما الحمد فلحصول البركة فيه ، وأما التسمية فلإقامة السنة عند الشرب . ( وشرب الفضلة ) أي : البقية . وفيه فوائد : كثيرة يستخرجها من له يد في تحرير النظر ، وتقريب المراد . 3546 حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَى ا عنْ إسْماعِيلَ حدثنا قَيْسٌ قال : سَمِعْتُ سَعْداً يَقُولُ : إنِّي لأوَّلُ العَرَبِ رَماى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ الله ، ورَأيْتُنَا نَغْزو وما لَنا طَعامٌ إلا وَرَقُ الحُبْلَةِ وهَذا السَّمُرُ ، وإنَّ أحدَنا لَيَضَعُ كما تَضَعُ الشَّاةُ ما لَهُ خِلْطٌ ، ثُمَّ أصْبحَتْ بَنُو أسَدٍ تُعَزِّزُنِي على الإسْلامِ ، خِبْتُ إذَا وضَلَّ سَعْيي . ( انظر الحديث 8273 وطرفه ) . مطابقته للترجمة ظاهرة لأن فيه بيان عيش سعد وغيره على الوجه المذكور . ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد ، وقيس هو ابن أبي حازم ، وسعد هو ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه . والحديث مضى في فضل سعد عن عمرو بن عوف وفي الأطعمة عن عبد الله بن محمد . وأخرجه مسلم في آخر الكتاب عن يحيى بن حبيب ، ومضى الكلام فيه . قوله : ( لأول العرب ) اللام فيه للتأكيد ، وفي رواية الترمذي : إني لأول رجل أهرق دماً في سبيل الله . قوله : ( ورأيتنا ) بضم التاء المثناة من فوق أي : ورأيت أنفسنا . قوله : ( نغزو ) من الغزو في سبيل الله . قوله : ( الحبلة ) بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة ، وقيل بفتحها أيضاً ، وهي : ثمر السلم أو ثمر عامة العضاه وهي بكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة شجراً له شوك كالطلح والعوسج . قوله : ( السمر ) بضم الميم شجر ، وفي مسلم : ما تأكل الأوراق الحبلة هذا السمر . قوله : ( ليضع ) كناية عن التغوط أي : ليضع الذي يخرج منه عند التغوط . قوله : ( ماله خلط ) بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام يعني لا يختلط بعضه ببعض لجفافه وشدة يبسه الناشئ عن تقشف العيش . قوله : ( بنو أسد ) قبيلة وهي أسد بن خزيمة . قوله : ( تعزرني ) أي : تقومني بالتعليم على أحكام الدين وهو من التعزير وهو التوقيف على الأحكام والفرائض ، ومنه تعزير السلطان وهو التقويم بالتأديب . قوله : ( على الإسلام ) ويروى : على الدين قوله : ( خبت ) من الخيبة وهي الحرمان والخسران . قوله : ( وضل سعيي ) ويروى : وضل عملي . . . قيل : كيف جاز لسعد أن يمدح نفسه ومن شأن المؤمن ترك ذلك لورود النهي عنه ؟ وأجيب : بأن الجهال لما عيروه بأنه لا يحسن الصلاة فاضطر إلى ذكر فضله والمدحة إذا خلت عن البغي والاستطالة ، وكان مقصود قائلها إظهار الحق وشكر نعمة الله ، لم يكره ذلك .