العيني
44
عمدة القاري
ذكر أن محمد بن أبي صفرة رواه بلفظ : من التي للتبعيض ، والأول هو العمدة ، وقال الكرماني : ( هذين ) يعني طرفي الشفتين اللذين هما بين الشارب واللحية وملتقاهما كما هو العادة عند قص الشارب في أن ينظف الزاويتان أيضاً من الشعر ، ويحتمل أن يراد بهما . 5888 حدَّثنا المَكّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ نافعٍ قال أصْحابُنا : عَنِ المَكِّيِّ عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : مِنَ الفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ . ( انظر الحديث 5889 طرفه في : 5890 ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . والمكي بن إبراهيم بن بشير الحنظلي البلخي ، قال البخاري : مات سنة أربع عشرة ومائتين ، وقال الكرماني : مكي منسوب إلى مكة ، وليس كذلك بل هو علم له فإنه ظن أنه نسبة ، وحنظلة بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة وباللام ابن أبي سفيان ، واسمه الأسود بن عبد الرحمن الجمحي القرشي المكي ، ونافع مولى ابن عمر . قوله : ( قال أصحابنا عن المكي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ) ، كذا وقع عند جميع الرواة ، قال صاحب ( التوضيح ) : معنى قوله : ( قال أصحابنا : عن المكي ) عن حنظلة عن نافع أنه رواه عنه عن ابن عمر موقوفاً على نافع وأصحابه أي : أصحاب البخاري ، وصلوه عنه عن ابن عمر مرفوعاً ، وقال الكرماني : قال البخاري : روى أصحابنا منقطعاً قالوا : حدثنا المكي عن ابن عمر ، بطرح الراوي الذي بينهما . انتهى . قلت : الذي يقتضيه ظاهر كلام البخاري هو ما قاله الكرماني ، وقريب منه ما قاله صاحب ( التوضيح ) : والعجب من بعضهم أنه نقل كلام البخاري ، وقال : وهو ظاهر ما أورده البخاري ، ثم نقل عن بعض من عاصره أنه قال : يحتمل أنه رواه مرة عن شيخه مكي عن نافع مرسلاً ، ومرة عن أصحابه عن مكي موصولاً عن ابن عمر ، ويحتمل أن بعضهم نسب الراوي عن ابن عمر إلى أنه المكي ، ثم قال : هذا الثاني هو الذي جزم به الكرماني ، وهو مردود . قلت : الذي قاله هو المردود عليه لأنه نسب الرجل إلى غير ما قاله ، يظهر ذلك لمن يتأمله . قوله : ( من الفطرة ) أي : من السنة ( قص الشارب ) والقص من قصصت الشعر قطعته ، ومنه طير مقصوص الجناح . وفي هذا الباب خلاف . فقال الطحاوي : ذهب قوم من أهل المدينة إلى أن قص الشارب هو المختار على الاخفاء . قلت : أراد بالقوم هؤلاء سالماً وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وجعفر بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فإنهم قالوا : المستحب هو أن يختار قص الشارب على إحفائه ، وإليه ذهب حميد بن هلال والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح ، وهو مذهب مالك أيضاً ، وقال عياض : ذهب كثير من السلف إلى منع الحلق والاستئصال في الشارب ، وهو مذهب مالك أيضاً ، وكان يرى حلقه مثلة ويأمر بأدب فاعله ، وكان يكره أن يأخذ من أعلاه والمستحب أن يأخذ منه حتى يبدو الإطار ، وهو طرف الشفة . وقال الطحاوي . وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا : بل يستحب إحفاء الشوارب ونراه أفضل من قصها . قلت : أراد بقوله : الآخرون ، جمهور السلف منهم : أهل الكوفة ومكحول ومحمد بن عجلان ونافع مولى ابن عمر وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله ، فإنهم قالوا : المستحب إحفاء الشارب وهو أفضل من قصها ، وروي ذلك عن فعل ابن عمر وأبي سعيد الخدري ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وأبي أسيد وعبد الله بن عمر ، وذكر ذلك كله ابن أبي شيبة بإسناده إليهم . فإن قلت : جاء في الحديث أنه قال في الخوارج : سيماهم التسبيد ، وهو حلق الشارب من أصله . قلت : قال ابن الأثير : معناه الحلق واستئصال الشعر ، ولم يقيد بالشارب وهو أعم منه ومن غيره ، وقال أيضاً : قيل : التسبيد هو ترك التدهن وغسل الرأس . قلت : يدل على صحته حديث آخر وهو قوله : سبماهم التحليق ، والتسبيد بعطف التسبيد على التحليق وهو غيره ، ومادة التسبيد السين والدال المهملتان بينهما الباء الموحدة . 5889 حدَّثنا عَلِيٌّ حدثنا سُفْيانُ قال الزُّهْرِيُّ : حدثنا عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً : الفِطْرَةُ خَمْسٌ : أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ : الخِتانُ . والاسْتِحْدَادُ . ونَتْفُ الإبِطِ . وتَقْلِيمُ الأظفارِ . وقَصُّ الشَّارِبِ . (