العيني

240

عمدة القاري

بهذه الترجمة إلى أن الزنا لا يختص إطلاقه بالفرج بل يطلق على ما دون الفرج ، فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق ، على ما يأتي بيانه في حديث الباب . 6243 حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدثنا سُفْيانُ عَنِ ابنِ طاوُوسٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال : لَمْ أرَ شَيْئاً أشْبَهَ باللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ . ( ح ) حدّثني مَحْمُودٌ أخبرَنا عَبْدُ الرَّزَّقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عَنِ ابنِ طاوُوسٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قال : ما رأيْتُ شَيْئاً أشْبَهَ باللَّمَمِ مِمَّا قال أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : إنَّ الله كَتَبَ على ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا أدْرَكَ ذالِكَ لا مَحالَةَ ، فَزِنا العَيْنِ النّظَرِ ، وزنا اللِّسانِ المَنْطقُ والنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذالِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ . ( انظر الحديث 6243 طرفه في : 6612 ) . مطابقته للترجمة في قوله : ( فزنا العين النظر ) . . . إلى آخره . والكلام فيه على أنواع . الأول في رجاله : الحميدي هو عبد الله ابن الزبير بن عيسى المنسوب إلى أحد أجداده ، وحميد مصغر حمد وسفيان هو ابن عيينة ، وابن طاووس هو عبد الله ، وطاووس هو ابن كيسان الهمداني ، ومحمود هو ابن غيلان ، وعبد الرزاق هو ابن همام ، ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد . الثاني : أنه اقتصر أولاً على قول أبي هريرة بقول ابن عباس من طريق سفيان موقوفاً ، ثم عطف عليه رواية معمر عن ابن طاووس فساقه مرفوعاً بتمامه . الثالث في معناه : فقوله : ( اللمم ) ما يلم به الشخص من شهوات النفس ، وقيل : هو المقارب من الذنوب ، وقيل : هو صغائر الذنوب . قوله : ( كتب ) أي : قدر . قوله : ( حظه ) أي : نصيبه مما قدر عليه . قوله : ( لا محالة ) بفتح الميم أي : لا حيلة له في التخلص من إدراك ما كتب عليه ، ولا بد من ذلك . قوله : ( المنطق ) بالميم ويروى : النطق ، بلا ميم . قوله : ( تمنى ) أصله : تتمنى ، فحذفت منه إحدى التاءين كما في قوله تعالى : * ( ناراً تلظى ) * أي : تتلظى . قوله : ( والفرج يصدق ذلك ) المذكور من زنا العين وزنا اللسان ، والتصديق بالفعل والتكذيب بالترك . وقيل : التصديق والتكذيب من صفات الإخبار فما معناهما هاهنا ؟ وأجيب : بأنه لما كان التصديق هو الحكم بمطابقة الخبر للواقع ، والتكذيب الحكم بعدمها ، فكأنه هو الموقع أو الدفع فهو تشبيه ، أو لما كان الإيقاع مستلزماً للحكم بها عادة فهو كناية . الرابع : فيما يتعلق بالمقصود منه . فقوله : ( زنا العين ) يعني : فيما زاد على النظرة الأولى التي لا يملكها ، فالمراد النظرة على سبيل اللذة والشهوة ، وكذلك زنا المنطق فيما يلتذ به من محادثة ما لا يحل له ذلك منه ، ( والنفس تمنى ذلك وتشتهيه ) فهذا كله يسمى زناً لأنه من دواعي الزنا الفرج ، وقال المهلب : كل ما كتبه الله عز وجل على ابن آدم فهو سابق في علم الله لا بد أن يدركه المكتوب ، وأن الإنسان لا يملك دفع ذلك عن نفسه ، غير أن الله تعالى تفضل على عباده وجعل ذلك لمماً وصغائر لا يطالب بها عباده إذا لم يكن للفرج تصديق لها ، فإذا صدق الفرج كان ذلك من الكبائر ، واحتيج أشهب بقوله : ( والفرج يصدق ذلك ويكذبه ) أنه إذا قال : زنى يدك أو رجلك لا يحد ، وخالفه ابن القاسم وفي التوضيح : وقال الشافعي : إذا قال زنت يدك يحد ، واعترض عليه بعض من عاصرناه من الشافعية ، والأصح أن هذا كناية ، ففي الروضة إذا قال زنت يدك أو عينك أو رجلك أو يداك أو عيناك فكناية على المذهب وبه قطع الجمهور يعني من الشافعية . 13 ( ( بابُ التَّسْلِيمِ والاسْتِئْذَانِ ثَلاثاً ) ) أي : هذا باب في بيان أن التسليم والاستئذان ينبغي أن يكون ثلاث مرات سواء كانا مقترنين أو مفترقين . وقال المهلب : وذلك للمبالغة في الإفهام والإسماع ، وقد أورد الله تعالى ذلك في القرآن ، فكرر القصص ، والأخبار والأوامر ليفهم عباده أن يتدبر السامع في الثانية والثالثة ما لم يتدبر في الأولى ، وليرسخ ذلك في قلوبهم ، والحفظ إنما هو بتكرير الدراسة للشيء المرة بعد المرة ، وتكراره صلى الله عليه وسلم ، الكلمة يحتمل أن يكون تأكيداً ، أو أن يكون علم أو شك هل فهم عنه ؟ فكرر الثانية فزاد الثالثة لاستحبابه الوتر .