العيني
218
عمدة القاري
فيه . قوله : ( يحوطك ) من حاطه إذا حفظه ورعاه . قوله : ( في ضحضاح ) بإعجام الضادين وإهمال الحاءين : القريب القعر ، أي : رقيق خفيف ، ويقال : الضحضاح من النار ومن الماء ومن كل شيء وهو القليل الرقيق منه . قوله : ( لكان في الدرك الأسفل ) وهي الطبقة السفلى من أطباق جهنم ، وقيل : الدرك الأسفل توابيت من نار تطبق عليهم ، وقال ابن مسعود : توابيت من حديد تغلق عليهم ، والأدراك في اللغة المنازل . وقال ابن بطال : وفيه : جواز تكنية المشرك على وجه التألف وغيره من المصالح ، وقيل : هذه التكنية ليست للإكرام في نفس الأمر ، وأما تكنية أبي طالب فلاشتهاره بكنيته دون اسمه ، فإن قيل : ما وجه تكنية أبي لهب ؟ أجيب بأجوبة . الأول : أن وجهه كان يتلهب جمالاً فجعل الله ما كان يفتخر به في الدنيا ويتزين به سبباً لعذابه . الثاني : للإشارة إلى أنه * ( ( 111 ) سيصلى ناراً ذات لهب ) * ( المسد : 3 ) . الثالث : أن اسمه عبد العزى وكنيته أبو عتبة ، وأما أبو لهب فلقب لقب به لجماله وليست بكنية . الرابع قاله الزمخشري : إن هذه التكنية ليست للإكرام بل للإهانة إذ هي كناية عن الجهنمي إذ معناه : تبت يدا جهنمي ، واعترض عليه بعضم بأن التكنية لا ينظر فيها إلى مدلول اللفظ بل الاسم إذا صدر باب أو أم فهو كنية . انتهى . قلت : كثير من الأسماء المصدرة بالأب أو الأم لم يقصد بها الكنية ، وإنما يقصد بها إما العلم وإما اللقب ولا يقصد بها الكنية ، فمن ذلك يقال لرجل من إياد ، وقيل من نزار : أبو أرب ، يضرب به المثل في كثرة الجماع ، فيقال : أنكح من أبي أرب يقال : إنه افتض في ليلة واحدة سبعين عذراء ، ذكره ابن الأثير في كتاب سماه ( مرصعاً ) ومن ذلك أبو براقش ليس له اسم غيرها ، ويقال : أم الأبرد للنمرة من قولهم ثوب أبرد فيه لمع بياض وسواد ، وأم إحدى وعشرين للدجاجة ، وأم أحراد بالحاء المهملة بئر مكة عند باب البصريين حفرها خلف بن أسعد الخزاعي ، وأمثال هذه كثيرة . وفيه دلالة على أن الله تعالى قد يعطي الكافر عوضاً من أعماله التي مثلها يكون قربة لأهل الإيمان بالله تعالى لأنه صلى الله عليه وسلم ، أخبر أن عمه نفعته تربيته إياه وحياطته له التخفيف الذي لو لم ينصره في الدنيا لم يخفف عنه ، فعلم بذلك أنه عوض نصرته لا لأجل قرابته منه ، فقد كان لأبي لهب من القرابة مثل ما كان لأبي طالب فلم ينفعه ذلك . 116 ( ( بابٌ المَعارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ ) ) قال بعضهم : باب منوناً . قلت : ليس كذلك لأن شرط الإعراب التركيب وإنما يكون معرباً إذا قلنا : هذا باب فيه المعاريض مندوحة كذا وقع في الأصول : المعاريض ، بالياء وكذا أورده ابن بطال ، وأورده ابن التين بلفظ : المعارض ، بدون الياء ، ثم قال : كذا التبويب والصواب المعاريض كما في رواية أبي ذر ، والمعاريض جمع معراض من التعريض وهو خلاف التصريح من القول ، وهو التورية بالشيء عن الشيء ، ومعنى مندوحة : متسعة ، يقال منه انتدح فلان بكذا ينتدح به انتداحاً إذا اتسع به ، وقال ابن الأنباري : يقال : ندحت الشيء وسعته ، قال الطبري : يقال انتدحت الغنم في مرابضها إذا تبددت واتسعت من البطنة ، وانتدح بطن فلان إذا استرخى واتسع ، وحاصل المعنى : المعاريض يستغنى بها الرجل عن الاضطرار إلى الكذب ، وهذه الترجمة ذكرها الطبري بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، وأخرجه ابن أبي عدي عن قتادة مرفوعاً ووهاه . وقال إسْحاقُ : سَمِعْتُ أنَساً : ماتَ ابنٌ لأبِي طَلْحَةَ فقال : كَيْفَ الغُلامُ ؟ قالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : هَدَأ نَفْسُهُ وأرْجُو أنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَراحَ ، وظَنَّ أنَّها صادِقَةٌ مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( هدأ نفسه وأرجو أن يكون قد استراح ) فإن أم سليم ورت بكلامها هذا أن الغلام انقطع بالكلية بالموت وأبو طلحة فهم من ذلك أنه تعافى . وإسحاق هذا ابن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ، وأبو طلحة اسمه زيد وهو زوج أم سليم أم أنس ، وهذا التعليق سقط من رواية النسفي وهو طرف من حديث مطول أخرجه البخاري في الجنائز في : باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة ، قال : حدثني بشر بن الحكم قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : حدثنا