العيني

154

عمدة القاري

بالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفاقَ ، فَيُصْنَعُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ . وجه المطابقة مثل الذي ذكرناه في الحديث السابق . وجرير هو ابن حازم ، وأبو رجاء بالجيم اسمه عمران العطاردي . وهذا طرف من حديث مطول رواه مقطعاً في الصلاة وفي الجنائز وفي البيوع وفي الجهاد وفي بدء الخلق وفي صلاة الليل وهنا عن موسى بن إسماعيل ، وفي أحاديث الأنبياء وفي التفسير وفي التعبير عن مؤمل بن هشام . قوله : ( رأيت ) ، أي : في المنام وليس في كثير من النسخ لفظه : قوله : ( الذي رأيته يشق شدقه ) وكان صلى الله عليه وسلم ، رأى رجلاً جالساً ورجلاً قائماً بيده كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيصنع مثله ، قلت : ما هذا ؟ فقالا : الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يصنع به إلى يوم القيامة . قوله : ( فكذاب ) فإن قيل : شرط الموصول الذي يدخل في خبره الفاء أن يكون مبهماً بل عاماً ، قيل له : جعل المعين كالعام حتى جاز دخول الفاء في الخبر ، وإنما جعل عذابه في موضع المعصية وهو فمه الذي كان يكذب به . 70 ( ( بابٌ في الهَدْيِ الصَّالِحِ ) ) أي : هذا باب في بيان الهدي الصالح ، والهدي بفتح الهاء وسكون الدال المهملة . وقال ابن الأثير : الهدي السيرة والهيئة والطريقة ، وفي الحديث : واهد والهدي عمار ، أي : رأي : سيروا بسيرته وتهيئوا بهيئته ، يقال : هدى هدي فلان إذا سار بسيرته ، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البخاري في ( الأدب المفرد ) من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رفعه : الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة وأخرجه أبو داود وأحمد أيضاً . 6097 حدَّثنا إسْحاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال : قُلْتُ ل أبِي أُسامَةَ : حدَّثَكُمُ الأعْمَشُ سَمِعْتُ شَقِيقاً قال : سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ : إنَّ أشْبَهَ النَّاس دَلاًّ وسَمْتاً وهَدْياً بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لابنُ أُمِّ عَبْدِ مِنْ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إلى أنْ يَرْجَعَ إلَيْهِ ، لا نَدْرِي ما يَصْنَعُ في أهْلِهِ إذَا خَلاَ . ( انظر الحديث 3762 ) . مطابقته للترجمة في قوله : ( وهدياً ) وإسحاق بن إبراهيم هو إسحاق بن راهويه ، قاله بعضهم . قلت : يحتمل أن يكون إسحاق ابن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعدي البخاري ، لأن كلاًّ منهما قد روى عن أبي أسامة ، فالجزم بأنه ابن راهويه من أين ؟ ويروي عنه البخاري في غير موضع في كتابه ، مرة يقول : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر ، ومرة يقول : حدثنا إسحاق ابن نصر ، فينسبه إلى جده ، وأبو أسامة حماد بن أسامة ، والأعمش سليمان ، وشقيق أبو وائل ، وحذيفة بن اليمان العبسي . والحديث من أفراده . قوله : ( حدثكم ) ويروى : أحدثكم ؟ بهمزة الاستفهام والسكوت عن الجواب قائم مقام التصديق والتسليم عند القرائن . قوله : ( دلاً ) بفتح الدال المهملة وتشديد اللام ، قال الكرماني : الدل قريب المعنى من الهدي وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل ، والهدي هو السيرة والسمت بفتح السين المهملة وإسكان الميم الطريق والمقصد وهيئة أهل الخير . قوله : ( لابن أم عبد ) بفتح اللام للتأكيد ، وابن أم عبد الله بن مسعود ، وأمه أم عبد بنت عبد ود ولها صحبة وكان أصحابه يدخلون عليه فينظرون إليه قولاً وفعلاً حركة وسكوناً حالاً وملكة وغيرها ، فيتشبهون به رضي الله عنه . قوله : ( من حين يخرج من بيته ) . . . إلى آخره أراد بذلك أنه يشاهد ما قاله عن عبد الله بن مسعود من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه أي : إلى بيته ، ثم قال : ( لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا بهم ) لأنه ربما ينبسط بهم ولم يرد بذلك إثبات نقص في حق عبد الله فافهم . وفيه من الفقه : أنه ينبغي للناس الاقتداء بأهل الفضل والصلاح في جميع أحوالهم ، في هيئتهم وتواضعهم للخلق ورحمتهم وإنصافهم من أنفسهم ، وفي مأكلهم ومشربهم واقتصادهم في أمورهم تبركاً بذلك . 6098 حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدثنا شُعْبَةُ عَنْ مُخارِقٍ قال : سَمِعْتُ طارِقاً قال : قال عَبْدُ الله : إنَّ أحسَنَ الحَدِيثِ كِتابُ الله ، وأحْسَنَ الْهَدْيُ هدي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم .