العيني

64

عمدة القاري

أبي طلحة مما خرق الله تعالى به العادة وبركة أحدثها الله عز وجل ، لا ملك لأبي طلحة عليها فإنما أطعمهم مما لا يملكه فلم يفتقر إلى استئذان . الثالث : بأن يقال : إن الأقراص جاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجده ليأخذها منه فكأنه قبلها وصارت ملكا له فإنما استدعى لطعام يملكه فلا يلزمه أن يستأذن في ملكه . قَ الَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولُ : إذَا كَانَ القَوْمُ عَلَى المَائِدَةِ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يُنَاوِلوا مِنْ مَائِدَةٍ إلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى ، وَلاكِنْ يُنَاوِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضا فِي تِلْكَ المَائِدَةِ أوْ يَدَعُوا . هذا لم يثبت في البخاري إلاَّ عند أبي ذر عن المستملي وحده ، ومحمد بن يوسف هو الفريابي ومحمد بن إسماعيل هو البخاري ، وروى محمد هذا عن البخاري نفسه هذا الكلام قاله البخاري استنباطا من استئذان النبي صلى الله عليه وسلم الداعي في الرجل الطارىء ، وذلك أن الذين دعوا لهم التصرف في الطعام المدعو إليه بخلاف من لم يدع فافهم فإنه دقيق . 5434 حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ . قَالَ : كَانَ مِنَ الأنْصَارِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : أبُو شُعَيْبٍ ، وَكَانَ لَهُ غُلامٌ لَحَّامٌ ، فَقَالَ : اصْنَعْ لِي طَعاما أدْعُو رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَامِسَ خَمْسَةٍ ، فَدَعا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَامِسَ خَمْسَةٍ ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : إنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ ، وَهاذا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنا فَإنْ شِئْتَ أذَنْتَ لَهُ وَإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ ، قَالَ : بَلْ أذِنْتُ لَهُ . مطابقته للترجمة ، تؤخذ من قوله : ( أدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم خامس خمسة ) وقد ذكرنا أنه تكلف حيث حصر العدد . ومحمد ابن يوسف هو أبو أحمد البخاري البيكندي ، وسفيان هو ابن عيينة ، والأعمش هو سليمان ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وأبو مسعود عقبة بن عمر والأنصاري البدري . والحديث قد مر في البيوع في : باب ما قيل في اللحام والجزار ، فإنه أخرجه هناك عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن شقيق عن أبي مسعود إلى آخره ، وفي المظالم أيضا عن أبي النعمان ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : ( اللحام ) ، أي : بياع اللحم ، وتقدم في البيوع بلفظ : قصاب . قوله : ( خامس خمسة ) ، معناه : ادعو أربعة أنفس ويكون النبي صلى الله عليه وسلم خامسهم ، يقال : خامس أربعة وخامس خمسة بمعنى واحد ، وفي الحقيقة يكون المعنى الخامس مصير الأربعة خمسة ، وانتصاب خامس على الحال ويجوز الرفع تقدير : ادعو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خامس خمسة ، والجملة أيضا تكون حالاً ، وفي رواية مسلم عن الأعمش : اصنع لنا طعاما لخمسة نفر . قوله : ( فتبعهم رجل ) ، وفي رواية أبي عوانة عن الأعمش ، فاتبعهم ، بتشديد التاء المثناة من فوق بمعنى : تبعهم ، وفي رواية حفص بن غياث فجاء معهم رجل . ومثل هذا الرجل الذي يتبع بلا دعوة يسمى طفيليا منسوبا إلى رجل من أهل الكوفة يقال له : طفيل من بني عبد الله بن غطفان كان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها ، وكان يقال له : طفيل الأعراس ، وهذه الشهرة إنما اشتهر بها من كان بهذه الصفة بعد الطفيل المذكور . وأما شهرته عند العرب قديما فكانوا يسمونه : الوارش ، بالشين المعجمة هذا إذا دخل لطعام لم يدع إليه ، فإن دخل لشراب لم يدع إليه يسمونه الواغل بالغين المعجمة . قوله : ( وهذا رجل قد تبعنا ) وفي رواية جرير وأبي عوانة اتبعنا ، بالتشديد وفي رواية أبي معاوية لم يكن معنا حين دعوتنا . قوله : ( فإن شئت أذنت له ) الخ وفي رواية أبي عوانة . فإن شئت أن يرجع رجع ، وفي رواية جرير ، وإن شئت رجع ، وفي رواية أبي معاوية : أنه اتبعنا ولم يكن معنا حين دعوتنا فإن أذنت له دخل . قوله : ( بل أذنت له ) وفي رواية أبي أسامة لا بَلْ أذنت له وفي رواية جرير لا بل ائذن له يا رسول الله وفي رواية أبي معاوية فقد أذنا له فليدخل . وفيه فوائد كثيرة : قد ذكرناها في باب ما قيل في اللحام في كتاب البيوع . فإن قلت : كيف استأذن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في هذا الحديث على الرجل الذي معه ، وقال في حديث أبي طلحة في ( الصحيح ) لمن معه . قوموا ؟ قلت : أجيب بأجوبة : الأول : أنه علم من أبي طلحة رضاه بذلك فلم يستأذن ولم يعلم رضا أبي شعيب فاستأذنه . الثاني : أن أكل القوم عند أبي طلحة مما خرق الله تعالى به العادة وبركة أحدثها الله عز وجل ، لا ملك لأبي طلحة عليها فإنما أطعمهم مما لا يملكه فلم يفتقر إلى استئذان . الثالث : بأن يقال : إن الأقراص جاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجده ليأخذها منه فكأنه قبلها وصارت ملكا له فإنما استدعى لطعام يملكه فلا يلزمه أن يستأذن في ملكه . قَ الَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولُ : إذَا كَانَ القَوْمُ عَلَى المَائِدَةِ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يُنَاوِلوا مِنْ مَائِدَةٍ إلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى ، وَلاكِنْ يُنَاوِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضا فِي تِلْكَ المَائِدَةِ أوْ يَدَعُوا . هذا لم يثبت في البخاري إلاَّ عند أبي ذر عن المستملي وحده ، ومحمد بن يوسف هو الفريابي ومحمد بن إسماعيل هو البخاري ، وروى محمد هذا عن البخاري نفسه هذا الكلام قاله البخاري استنباطا من استئذان النبي صلى الله عليه وسلم الداعي في الرجل الطارىء ، وذلك أن الذين دعوا لهم التصرف في الطعام المدعو إليه بخلاف من لم يدع فافهم فإنه دقيق . 35 ( ( بَابُ : * ( مَنْ أضَافَ رَجُلاً إلَى طَعَامٍ وَأَُقْبَلَ هُوَ عَلَى عَمَلِهِ ) * ) ) أي : هذا باب في بيان حال من أضاف رجلاً إلى طعام لا يتعين عليه أن يأكل مع المدعو بل له أن يقبل على عمله ويترك المدعو يشتغل بما قدمه إليه . 5435 حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ سَمِعَ النَّضْرَ أخْبَرنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ : أخْبَرَنِي ثَمَامَةُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ ، رَضِيَ الله عَنهُ ، قَالَ : كُنْتُ غُلاما أمْشِي مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَدَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، عَلَى غُلامٍ لَهُ خَيَّاطٍ ، فَأتاهُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طعام وَعَلَيْهِ دُبَّاءٌ فَجَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، يَتَتَبَّعُ الدُّبَاءَ قَالَ : فَلَمَّا رَأيْتُ ذالِكَ جَعَلْتُ أجْمَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ : فَأقْبَلَ الغُلامُ عَلَى عَمَلِهِ ، قَالَ أنَسٌ : لا أزَالُ أُحِبُّ الدُّبَاءَ بَعْدَ مَا رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَنَعَ مَا صَنَعَ . مطابقته للترجمة من حيث إن الغلام لما وضع القصعة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، واشتغل النبي صلى الله عليه وسلم ، يتتبعُ الدباء منها أقبل الغلام على عمله ، وقال ابن بطال : لا أعلم في اشتراط أكل الداعي مع الضيف إلاَّ أنه أبسط لوجهه وأذهب لاحتشامه ، فمن فعل فهو أبلغ في قرى الضيف ، ومن ترك فهو جائز . وعبد الله بن منير بضم الميم على وزن اسم فاعل من أنار ، والنضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل ، يروي عن عبد الله بن عون ، وثمامة بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم وكلهم قد ذكروا عن قريب . والحديث أيضا قد مر في : باب الثريد ، ومضى الكلام فيه هناك . 36 ( ( بَابُ : * ( المَرَقِ ) * ) ) أي : هذا باب في ذكر المرق ، وترجم به إشارة إلى أن له فضلاً على الطعام الثخين ، ولهذا كان السلف يأكلون الطعام الممرق ، وفي مسلم من حديث أبي ذر ، رفعه : إذا طبخت قدرا فأكثر مرقها . وفيه : فليطعم جيرانه ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، بإكثار المرق بقصد التوسعة على الجيران وأهل البيت والفقراء والأمر فيه محمول على الندب ، وقد روى الترمذي من حديث علقمة بن عبد الله المزني عن أبيه . قال : قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( إذا اشترى أحدكم لحما فليكثر مرقته فإن لم يجد لحما أصاب مرقة ) وهو أحد اللحمين . وروى أيضا من حديث أبي ذر مرفوعا . وفيه : إذا اشتريت لحما أو طبخت قدرا فأكثر مرقته وأغرف لجارك منه . 5436 حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ أنَّ خيَّاطا دعَا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، لِطَعامٍ صَنَعَهُ ، فَذَهَبْتُ مَعَ النبيِّ صلى الله عليه