العيني

39

عمدة القاري

ابنِ عبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَها ضبّا مَحْنُوذا قَدِمَتْ بِهِ أخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ ، فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ الله ، صلى الله عليه وسلم ، وَكَانَ قَلّما يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطعامِ حَتَّى يُحِدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ : فأهْوَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، يَدَهُ إلَى الضَّبِّ فَقَالَتِ امْرَأةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الحُضُورِ : أخْبِرْنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَا قَدَّمتُنَّ لَهُ ؟ هُوَ الضَبُّ يَا رَسُولَ الله ! فَرَفَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ . فَقَالَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ : أحَرَامٌ الضَبُّ يَا رَسُولَ الله ؟ قَالَ : لا ! وَلاكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدْنِي أعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ : فَاحْتَزَزْتُهُ فَأكَلْتُهُ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إلَيَّ . . مطابقته للترجمة . في قوله : ( وكان قلّما يقدم يده لطعام حتى يحدث به ويسمى له ) وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ويونس هو ابن يزيد ، والزهري هو محمد بن مسلم ، وأبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف ، بضم الحاء المهملة وفتح النون . والحديث أخرجه البخاري في مسند خالد بن الوليد في الأطعمة هنا وفي الذبائح عن القعني . وأخرجه مسلم في مسند ابن عباس في الذبائح عن يحيى بن يحيى وغيره . وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة مثل البخاري في مسند خالد فأبو داود في الأطعمة عن القعني ، والنسائي في الصيد عن أبي داود والحراني وغيره ، وفي الوليمة عن هارون بن عبد الله ، وابن ماجة في الصيد عن محمد بن مصفى . قوله : ( وهي خالته ) ، أي : ميمونة خالة خالد بن الوليد خالة ابن عباس أيضا وقد ذكرنا عن قريب في : باب الخبز المرقق أن ميمونة ولبابة الصغرى أم خالد ابن الوليد ، ولبابة الكبرى أم ابن عباس وأم حفيدة أخوات ، وهن بنات الحارث بن حزن ، وذكر هنا حفيدة وهي أم حفيدة ، وهو المحفوظ عند أهل النسب ، واسمها : هزيلة وقد ذكرناه . قوله : ( محنوذا ) ، أي : مشويا . قال الله عز وجل : * ( فجاء بعجل حنيذ ) * ( هود : 69 ) أي : مشوي ، يقال : حنذت الشاة أحنذها حنذا أي : شويتها وجعلت فوقها حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ . قوله : ( وكان فلما يقدم ) ، من التقديم ، وقل ، فعل ماض ، وما يقدم فاعله وما مصدرية ، أي : قبل تقديم يده لطعام حتى يُحدِّث على صيغة المجهول أي : حتى يخبر به ما هو ويُسمى مجهول أيضا . قوله : ( له ) ، أي : النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( فأهوى ) ، أي : مد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الضب . قوله : ( فقالت امرأة من النسوة الحضور ) ووقع في رواية لمسلم : فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل قالت له ميمونة : إنه لحم ضب فكف يده ، ووصف النسوة بالحضور الذي هو جمع حاضر مع أن المطابقة شرط بين الصفة والموصوف في التذكير والتأنيث وغيرهما . لأنه لوحظ فيهما صورة الجمع أو يقال : إن الحضور مصدر . قوله : ( أحرام الضب ) ؟ نحو : أقائم زيد ؟ فيجوز فيه الأمران . قوله : ( فأجدني ) ، أي : فأجد نفسي . قوله : ( أعافه ) أي : أكرهه من عاف الرجل الطعام والشراب يعافه عيافا . أي : كرهه فهو عائف . قوله : ( ورسول الله صلى الله عليه وسلم ) الواو فيه للحال ، واحتج بهذا الحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق . فقالوا : يجوز أكل الضب ، وهو مذهب الظاهرية أيضا ، وقال ابن حزم : وصحت إباحته عن عمر بن الخطاب وغيره . وقال صاحب ( الهداية ) ويكره أكل الضب لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عائشة ، رضي الله عنها ، حين سألته عن أكله ، ولكن الطحاوي في ( شرح معاني الآثار ) رجح إباحة أكل الضب . وقال : لا بأس بأكل الضب ، وهو القول عندنا . وقال : وقد كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد . قلت : أراد بالقوم الحارث بن مالك ويزيد بن أبي زياد ووكيعا فإنهم قالوا : أكل الضب مكروه ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله ، ثم الأصح عند أصحابنا أن الكراهة كراهة تنزيه لا كراهة تحريم لتظاهر الأحاديث الصحاح ، بأنه ليس بحرام ، وقال بعض أصحابنا : أحاديث دلت على الإباحة وأحاديث دلت على الحرمة . والتاريخ مجهول فيجعل المحرم مؤخرا عن المبيح فيكون ناسخا له تعليلاً للنسخ ، ومن جملة الأحاديث الدالة على الحرمة حديث عائشة الذي ذكره صاحب ( الهداية ) . ولكن فيه مقال : ولما ذكر صاحب ( تخريج أحاديث الهداية ) حديث عائشة قال : هذا حديث غريب . قلت : رواه محمد بن الحسن عن الأسود عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم أهدي له ضب فلم يأكله . فسألته عن أكله فنهاني ، فجاء سائل فأرادت عائشة أن تعطيه فقال صلى الله عليه وسلم : تعطينه ما لا تأكليه ؟ فالنهي يدل على