العيني

232

عمدة القاري

الشِّفاءُ في ثَلاَثَةٍ : في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أو شرْبَةِ عَسَلٍ ، أو كَيَّةٍ بِنار ، وأنْهَى أمَّتِي عَنِ الكَيِّ . ( انظر الحديث : 5680 ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . ومحمد بن عبد الرحيم أبو يحيى يقال له صاعقة ، وسريج بضم السين المهملة وفتح الراء وبالجيم مصغر سرج ابن يونس أبو الحارث البغدادي ، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين . والحديث قد مر الآن . 4 ( ( بابُ الدَّواءِ بالعَسَلِ ) ) أي : هذا باب في بيان الدواء بالعسل ، وهو يذكر ويؤنث ، وأسماؤه تزيد على المائة ، وله منافع كثيرة . يجلي الأوساخ التي في العروق والأمعاء ، ويدفع الفضلات ، ويغسل خمل المعدة ويسخنها تسخيناً معتدلاً ، ويفتح أفواه العروق ، ويشد المعدة والكبد والكلى والمثانة ، وفيه تحليل للرطوبات أكلاً وطلاء وتغذية ، . وفيه حفظ للمعجونات وإذهاب لكيفية الأدوية المستكرهة ، وتنقية للكبد والصدر وإدرار البول والطمث ، ونفع للسعال الكائن من البلغم ، ونفع لأصحاب البلاغم والأمزجة الباردة ، وإذا أضيف إليه الخل نفع أصحاب الصفراء ، ثم هو غذاء من الأغذية ودواء من الأدوية وشراب من الأشربة وحلوى من الحلاوات وطلاء من الأطلية ومفرح من المفرحات ، ومن منافعه أنه : إذا شرب حاراً بدهن الورد نفع من نهش الحيوان ، وإذا شرب بماء نفع من عضة الكلب الكلب ، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر ، وكذا الخيار والقرع والباذنجان والليمون ونحو ذلك من الفواكه ، وإذا لطخ به البدن للقمل قتل القمل والصيبان ، وطول الشعر وحسنه ونعمه ، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر ، وإن استن به صقل الأسنان وحفظ صحتها ، وهو عجيب في حفظ جثة الموتى فلا يسرع إليها البلاء وهو مع ذلك مأمون الغائلة قليل المضرة ، ولم يكن معول قدماء الأطباء في الأدوية المركبة إلاَّ عليه ، ولا ذكر للسكر في أكثر كتبهم أصلاً ، وهو في أكثر الأمراض والأحوال أنفع من السكر لأنه مليح ويجلو ويدر ويحلل ويغسل ، وهذه الأفعال في السكر ضعيفة ، وفي السكر إرخاء المعدة وليس ذلك في العسل ، وكان صلى الله عليه وسلم يشرب كل يوم قدح عسل ممزوجاً بماء على الريق ، وهي حكمة عجيبة في حفظ الصحة ، ولا يعقلها إلاَّ العالمون ، وكان بعد ذلك يتغدى بخبزالشعير مع الملح أو الخل ونحوه ، ويصابر شطف العيش ولا يضره لما سبق من شربه العسل . وقَوْلِ الله تعالى : * ( فيه شفاء للناس ) * ( النحل : 69 ) . وقول الله ، بالجر عطفاً على قوله : الدواء بالعسل ، إنما ذكر قوله * ( فيه شفاء للناس ) * ( النحل : 69 ) لينبه به على فضيلة العسل على سائر ما يشرب من المشروبات ، وكيف وقد أخبر الله بأنه شفاء ؟ وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا خرجت به قرحة أو شيء لطخ الموضع بالعسل ، ويقرأ * ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) * ( النحل : 69 ) وكان يقول : عليكم بالشفاءين : القرآن والعسل ، وقال شقيق : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المبطون شهيد ودواء المبطون العسل ، فإن قلت : الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أخي يشتكي بطنه ! فقال : اسقه عسلاً ، فسقاه فلم يفده ، حتى أتى الثانية والثالثة ، فكذلك حتى قال صلى الله عليه وسلم : صدق الله وكذب بطن أخيك . . . الحديث على ما يأتي في هذا الباب . قلت : قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن غيب أطلعه الله عليه وأعلمه بالوحي أن شفاءه بالعسل ، فكرر عليه الأمر يسقي العسل ليظهر ما وعد به ، وأيضاً قد علم أن ذلك النوع من المرض يشفيه العسل . وقال النووي : اعترض بعض الملاحدة فقال : العسل مسهل فكيف يشفي صاحب الإسهال ؟ وهذا جهل من المعترض ، وهو كما قال بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ، فإن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة ، ومنها الإسهال الحادث من الهيضة ، وقد أجمع الأطباء على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها ، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ، فيحتمل أن يكون إسهاله من الهيضة ، وأمره بشرب العسل معاونة إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال ، وقد يكون ذلك من باب التبرك ، ومن دعائه وحسن أثره ولا يكون ذلك حكماً عاماً لكل الناس ، وقد يكون ذلك خارقاً للعادة من جملة المعجزات ، وقيل : المعنى : فيه شفاء لبعض الناس ، وأولوا الآية وحديث أبي سعيد الذي يأتي على الخصوص ، وقالوا : الحجامة وشرب العسل والكي إنما هي شفاء لبعض الأمراض دون بعض ، ألا ترى قوله : أو لذعة بنار ، توافق الداء ؟ فشرط صلى الله عليه وسلم موافقتها للداء ، فدل هذا على أنها إذا لم توافق الداء فلا دواء فيها ، وقد جاء في القرآن ما لفظه لفظ العموم . والمراد به الخصوص ، كقوله