العيني
204
عمدة القاري
كذا قاله ابن الأثير . قلت : القس وتنيس والفرماء كلها كانت بلاداً على ساحل البحر بالقرب من دمياط ، وقد خربت واندرست ، وقيل : أصل القسي القزي بالزاي منسوب إلى القز وهو ضرب من الإبريسم ، فأبدل من الزاي سين ، وقيل : منسوب إلى القس ، وهو الصقيع لبياضه . قوله : ( والديباج ) قد مر تفسيره ، ( والإستبرق ) ضرب من الديباج غليظ ، قيل : وفيه ذهب وهو فارسي معرب أصله : استبره ، والمعروف أن الإستبرق غليظ الديباج ، وقال الداودي : رقيقه . 29 ( ( بابُ الشُّرْبِ في الأقْدَاح ) ) أي : هذا باب في بيان جواز الشرب في الأقداح وهو جمع قدح ، وقال في ( المغرب ) : القدح بفتحتين الذي يشرب به ، وقال بعضهم : لعله أشار إلى أن الشرب فيها وإن كان من شعار الفسقه لكن ذلك بالنظر إلى المشروب وإلى الهيئة الخاصة . قلت : هذا كلام غير مستقيم ، وكيف يقول : إن الشرب فيها من شعائر الفسقة وقد وضع البخاري عقيب هذا : باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وذكر فيه أن للنبي صلى الله عليه وسلم ، قدحاً كان عند أنس ، على ما يأتي الآن ، وذكروا أيضاً أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم ، قدح يقال له : الريان ، وآخر يقال له : المغيث ، وآخر مضبب بثلاث ضبات من فضة ، وقيل : من حديد ، وفيه حلقة يعلق بها أصغر من المد وأكثر من نصف المد . وعن عاصم قال : رأيت عند أنس قدح النبي صلى الله عليه وسلم ، فيه ضبة من فضة ، رواه الإمام أحمد ، وفي رواية البيهقي : وكان قد انصدع فسلسله من فضة ، قال : وهو قدح عريض من نضار ، والقدح الذي يشرب به الفسقة معلوم بين الناس أنه من زجاج ومن بلور ومن فضة ونحوها ، وكانت أقداح النبي صلى الله عليه وسلم كلها من جنس الخشب ، فإن قلت : روى البزار من حديث ابن عباس أن المقوقس أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدح قوارير فكان يشرب منه ؟ قلت : هذا حديث ضعيف ، ولئن سلمنا صحته فنقول : لم يكن شرب النبي صلى الله عليه وسلم منه مثل شرب غيره من المترفين ، ولا شرابه مثل شرابهم . 5636 حدّثني عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ حدثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ حدثنا سفْيانُ عنْ سالِمٍ أبي النَّضْرِ عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ عنْ أُمِّ الفَضْلِ : أَنَّهُمْ شَكُّوا في صَوْم النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَومَ عَرَفَة ، فَبُعِثَ إليهِ بِقَدحٍ مِنْ لَبنٍ فَشَرِبَهُ . مطابقته للترجمة في قوله : ( فشربه ) وعمر وبفتح العين ابن عباس بفتح العين المهملة وتشديد الباء البصري ، وعبد الرحمن هو ابن مهدي ، وسفيان هو الثوري : والحديث مضى عن قريب في : باب من شرب وهو واقف على بعيره . 30 ( ( بابُ الشُّرْبِ منْ قَدَحِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وآنِيَتِهِ ) ) أي : هذا باب في بيان شرب جماعة من قدح النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( وآنيته ) أي : والشرب من آنية النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو من عطف العام على الخاص لأن الآنية أعم من أن تكون قدحاً أو قصعة أو مخضباً أو طشتاً أو نحو ذلك ، وقيل : أراد البخاري بهذه الترجمة دفع توهم من يقع في خياله أن الشرب في قدح النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته تصرف في ملك الغير بغير إذن ، فبين أن السلف كانوا يفعلون ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث وما تركه فهو صدقة ، ولا يقال : إن الأغنياء كانوا يفعلون ذلك ، والصدقة لا تحل للغني لأن الجواب : أن الممتنع على الأغنياء من الصدقة هو المفروض منها ، وهذا ليس من الصدقة المفروضة . قلت : الأحسن أن يقال : إنما كانوا يشربون من قدح النبي صلى الله عليه وسلم ، لأجل التبرك به ، أما في حياته فلا نزاع فيه ، وأما بعد موته فكذلك للتبرك به ، ولا يقال : إن من كان عنده شيء من ذلك أنه استولى عليه بغير وجه شرعي ، ألا ترى أنه كان عند أنس قدح ، وعند سهل قدح ، وعند عبد الله بن سلام آخر ؟ وكانت جبته عند أسماء بنت أبي بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنهما ، ولا يقال : إنهم حازوا هذه الأشياء بغير وجه شرعي . * ( وقال أبُو بُرْدَةَ : قال لِي عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ : ألا أسْقِيكَ في قَدَحٍ شَرِبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيهِ ؟ ) * .