العيني
95
عمدة القاري
النوم فقيل له : ما فعل ربك هناك ؟ فقال : سقيت مثل هذه ، وأشار إلى ظفر إبهامه . قوله : ( بعتاقتي ) أي : بسبب عتاقتي ثوبية ، وعتاقة بفتح العين ، وفي رواية عبد الرزاق : بعتقي ، وقال بعضهم : وهو أوجه ، والوجه أن يقول : بإعتاقي لأن المراد التخلص من الرق . قلت : هذا القائل أخذ ما قاله من كلام الكرماني ، فإنه قال : فإن قلت : معناه التخلص من الرقية ، فالصحيح أن يقال : بإعتاقي . قلت : كل من الناقل والمنقول منه لم يحرر كلامه ، فإن العتق والعتاقة والعتاق كلها مصادر من عتق العبد ، وقول الناقل : وهو أوجه ، غير موجه ، لأن العتق والعتاقة واحد في المعنى ، فكيف يقول العتق أوجه ؟ ثم قوله : والأوجه أن يقول : بإعتاقي لأن المراد التخلص من الرق ، كلام من ليس له وقوف بن علي كلام القوم ، فإن صاحب المغرب قال : العتق الخروج من المملوكية وهو التخلص من الرقية ، وقد يقوم العتق مقام الإعتاق الذي هو مصدر أعتقه مولاه . وفي التوضيح : وفيه أي : وفي هذا الحديث من الفقه أن الكافر قد يعطى عوضا من أعماله التي يكون منها قربة لأهل الإيمان بالله ، كما في حق أبي طالب . غير أن التخفيف عن أبي لهب أقل من التخفيف عن أبي طالب ، وذلك لنصرة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحياطته له وعداوة أبي لهب له . وقال ابن بطال : وصح قول من تأول في معنى الحديث الذي جاء عن الله تعالى : إن رحمته سبقت غضبه ، إن رحمته لا تنقطع عن أهل النار المخلدين فيها ، إذ في قدرته أن يخلق لهم عذابا يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفا بالإضافة إلى ذلك العذاب ومذهب المحققين أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بسبب حسناته في الدنيا ، بل يوسع عليه بها في دنياه . وقال القاضي عياض : انعقد الإجماع بن علي أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب ، ولكن بعضهم أشد عذابا بحسب جرائمهم . وقال الكرماني : لا ينفع الكافر العمل الصالح . إذ الرؤيا ليست بدليل ، وعلي تقدير التسليم يحتمل أن يكون العمل الصالح والخير الذي يتعلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصا ، كما أن أبا طالب أيضا ينتفع بتخفيف العذاب . وذكر السهيلي أن العباس ، رضي الله تعالى عنه ، قال : لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شر حال ، فقال : ما لقيت بعدكم راحة إلاَّ أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين . قال : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين وكانت ثويبة بشرت أبا لهب بمولده فأعتقها . ويقال : إن قول عروة لما مات أبو لهب : أريه بعض أهله إلى آخره خبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به ، وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه ، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد ، فلا يحتج به . وأجيب ثانيا : بن علي تقدير القبول ، يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا من ذلك بدليل قصة أبي طالب حيث خفف عنه . فنقل من الغمرات إلى الضحضاح ، وقال القرطبي : هذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه ، والله أعلم . ومن جملة ما يشتمل هذا بن علي حرمة الجمع بين الأختين بلا خلاف ، واختلف في الأختين بملك اليمين ، وكافة العلماء بن علي التحريم أيضا خلافا لأهل الظاهر ، واحتجوا بما روي عن عثمان : حرمتهما آية وأحلتهما آية ، والآية المحلة لها قوله تعالى : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * ( النساء : 42 ) وحكاه الطحاوي وعن علي وابن عباس ، رضي الله تعالى عنهم ، وقد روي المنع عن عمرو علي أيضا وابن مسعود وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير ، رضي الله تعالى عنهم ، ومما يشتمل هذا أيضا بن علي ثبوت حرمة الرضاع بين الرضيع والمرضعة ، فإنها تصير بمنزلة أمه من الولادة ، ويحرم عليه نكاحها أبدا ويحل له النظر إليها والخلوة بها والمسافرة معها ، ولا يترتب عليه أحكام الأمومة من كل وجه ، فلا توارث ولا نفقة ولا عتق بذلك بالملك ولا ترد شهادته لها ولا يعقل عنها ولا يسقط عنهما القصاص بقتلهما ، ومن ذلك انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع وبين الرضيع وأولاد المرضعة وحرمة الرضاع بين الرضيع وزوج المرضعة ويصير الرضيع ولدا له وأولاد الرجل إخوة الرضيع ، وإخوة الرجل أعمام الرضيع وأخواته عماته ويكون أولاد الرضيع أولاد الرجل ، ولم يخالف في ذلك إلاَّ أهل الظاهر وابن علية فإنهم قالوا بحرمة الرضاع بين الرجل الرضيع ، كذا نقله الخطابي وعياض عنهما ، وزاد الخطابي ، ابن المسيب . 12 ( ( بابُ مَنْ قل لا رَضاعَ بعْدَ حَوْلَينِ ) ) أي : هذا باب في بيان قول من قال : لا رضاع بعد سنتين ، وممن قال ذلك عامر الشعبي وابن شبرمة والثوري والأوزاعي