العيني
65
عمدة القاري
فيه بن علي الترغيب أصلاً . لأن الآية سيقت لبيان ما يجوز الجمع بينه من أعداد النساء . وقوله : ( يقتضي الطلب ) كلام من لم يذق شيئا من الأصول ، فإن الأمر إباحة كما في قوله تعالى : * ( وإذا حللتم فاصطادوا ) * ( المائدة : 2 ) ، وهل يقال : طلب الله منه النكاح ، أو طلب منه الصيد غاية ما في الباب أنه أباح النكاح بالعدد المذكور ، وأباح الصيد بعد التحليل من الإحرام ، ثم بنى هذا القائل بن علي هذا الكلام الواهي . قوله : وأقل دجاته الندب ، فيثبت الترغيب . 3605 حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ جعْفَرٍ أخبرنا حُمَيْدُ بنُ الطَّوِيلُ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ ، رضي الله عنه ، يَقُولُ : جاءَ ثلاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أزْوَاجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، يَسألُونَ عنْ عِبَادَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فلَمَّا أُخْبِرُوا كأنَّهُمْ تَقالُّوها ، فقالُوا : وَأيْنَ نَحْنُ مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؟ قَدْ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تأخَّرَ . قال أحَدُهُمْ : أمَّا أنا فإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبدا ، وقال آخَرُ : أنا أصومُ الدَّهْرَ ولا أَفْطِرُ ، وقال أخَرُ : أنا أعْتَزِلُ النِّساءَ فَلاَ أَتَزَوَّجَ أبَدا ، فَجاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنْتُمُ الذين قُلتُمْ كَذَا وكَذَا ؟ أما والله إنِّي لَأخْشاكُمْ لِلَّهِ ، وأتْقاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أصُومُ وأفْطِرُ وأصَلِّي وأرْقُدُ وأتَزَوَّجُ النِّساءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عنْ سُنَّتي فَليْسَ مِنِّي . مطابقته للترجمة في قوله : ( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . قوله : ( ثلاثة رهط ) وفي رواية مسلم من حديث ثابت عن أنس : أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، والفرق بين الرهط والنفر أن الرهط من ثلاثة إلى عشرة ، والنفر من ثلاثة إلى تسعة ، وكل منهما اسم جمع لا واحد له ، ولا منافاة بينهما من حيث المعنى ، ووقع في مرسل سعيد بن المسيب من رواية عب الرزاق : أن الثلاثة المذكورين هم : علي بن أبي طالب . وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعثمان بن مظعون . قوله : ( يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ) وفي رواية مسلم : عن عمله في السر ، قوله : ( فلما أخبروا ) بضم الهمزة بن علي صيغة المجهول . قوله : ( تقالوها ) بتشديد اللام المضمومة أي : عدوها قليلة ، وأصله : تقاللوا فأدغمت اللام في اللام لاجتماع المثلين . قوله : ( قد غفر له ) بن علي صيغة المجهول . هذا في رواية الحموي والكشميهني ، وفي رواية غيرهما : غفر الله له . قوله : ( أما أنا ) بفتح الهمزة وتشديد الميم للتفصيل . قوله : ( أبدا ) ، قيد لليل لا لقوله : أصلي . قوله : ( ولا أفطر ) ، أي : بالنهار سوى أيام العيد والتشريق ولهذا لم يقيد بالتأبيد . قوله : ( فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقال : وفي رواية مسلم : فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال : ما بال أقوام قالوا كذا . . والتوفيق بينهما بأنه منع من ذلك عموما جهرا مع عدم تعيينهم ، وخصوصا فيما بينه وبينهم رفقا بهم ، وسترا عليهم . قوله : ( أما والله ) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه . قوله : ( إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ) يعني : أكثر خشية وأشد تقوى ، وفيه رد لما بنوا عليه أمرهم من أن المغفور لا يحتاج إلى مزيد في العبادة ، بخلاف غيره ، فأعلمهم أنه مع كونه يشدد في العبادة غاية الشدة أخشى لله وأتقى من الذين يشددون . قوله : ( لكني ) استدراك من شيء محذوف تقديره أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء ، لكن أنا أصوم إلى آخره . قوله : ( فمن رغب عن سنتي ) أي : فمن أعرض عن طريقتي ( فليس مني ) أي : ليس بن علي طريقتي ، ولفظ رغب إذا استعمل بكلمة : عن فمعناه : أعرض . وإذا استعمل بكلمة : في ، فمعناه أقبل إليه ، والمراد بالسنة الطريقة وهي أعم من الفرض والنفل ، بل الأعمال والعقائد وكلمة : من في مني ، اتصالية أي : ليس متصلاً بي قريبا مني . وفيه : أن النكاح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وزعم المهلب أنه من سنن الإسلام ، وأنه لا رهبانية فيه . وأن من تركه راغبا عن سننه النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو مذموم مبتدع ومن تركه من أجل أنه أرفق له وأعون بن علي العبادة فلا ملامة عليه ، وزعم داود ومن تبعه أنه واجب . وأن الواجب عندهم العقد لا الدخول فإنه إنما يجب عندهم في العمر مرة ، وعند أكثر العلماء هو مندوب إليه وعند أحمد في رواية : يلزمه الزواج أو التسري إذا خاف العنت ، وغيره لم يشترط خوف العنت . فإن قلت : ظاهر الآية يدل بن علي وجوبه ؟ قلت : حصل الجواب عنه بما ذكرناه في أول الباب ، وأيضا فإن آخر الآية وهو قوله : * ( أو ما ملكت أيمانكم ) * ( النساء : 3 ) وينافي الوجوب ، وذلك لأن فيه