العيني

97

عمدة القاري

لما تقرر أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداءً ، ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى . قوله : ( وأثنى عليه ) ، من باب عطف العام على الخاص ، لأن الثناء أعم من الحمد ، والشكر والمدح أيضاً ثناء . قوله : ( ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته ) قال العلماء : يحتمل أن يكون قد رأى رؤية عين ، بأن كشف الله تعالى له مثلاً عن الجنة والنار ، وأزال الحجب بينه وبينهما ، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه بمكة للناس . وقد تقرر في علم الكلام أن الرؤية أمر يخلقه الله تعالى في الرائي ، وليست مشروطة بمقابلة ولا مواجهة ولا خروج شعاع وغيره ، بل هذه شروط عادية جاز الانفكاك عنها عقلاً وأن يكون رؤية علم ووحي باطلاعه وتعريفه من أمورهما تفصيلاً ما لم يعرفه قبل ذلك . وقال القرطبي : ويجوز على هذا القول أن الله تعالى مثل له الجنة والنار وصورهما له في الحائط ، كما تمثل المرئيات في المرآة . ويعضده ما رواه البخاري من حديث أنس في الكسوف ، فقال ، عليه الصلاة والسلام : ( الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار ) . وفي مسلم : ( إني صورت لي الجنة والنار فرأيتهما بدور هذا الحائط ) . ولا يستبعد هذا من حيث إن الانطباع كما في المرآة إنما هو في الأجسام الصقيلة ، لأنا نقول : إن ذلك الشرط عادي لا عقلي ، ويجوز أن تنخرق العادة خصوصاً للنبوة ، ولو سلم أن تلك الأمور عقلية لجاز أن توجد تلك الصور في جسم الحائط ، ولا يدرك ذلك إلاَّ النبي ، عليه الصلاة والسلام . قال : والأول أولى وأشبه بألفاظ الأحاديث ، لقوله في بعض الأحاديث : ( فتناولت منها عنقوداً ) وتأخره مخافة أن يصيبه النار . قوله : ( ما علمك ) ، الخطاب فيه للمقبور بدليل قوله : ( إنكم تفتنون في قبوركم ) ، ولكنه عدل عن خطاب الجمع إلى خطاب المفرد ، لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله . قيل : قد يتوهم أن فيه التفاتاً ، لأنه انتقال من جمع الخطاب إلى مفرد الخطاب ، كما قال المرزوقي في شرح ( الحماسة ) في قوله : * أحمى أباكن يا ليلى الأماديح * إنه التفات ، وكما في قوله تعالى : * ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) * ( الطلاق : 1 ) قلت : الجمهور من أهل المعاني على خلاف ذلك ، ولا يسمى هذا التفاتاً إلاَّ على قول من يقول : إن الالتفات هو انتقال من صيغة إلى صيغة أخرى ، سواء كان من الضمائر بعضها إلى بعض ، أو من غيرها ، والتفسير المشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة ، وهي التكلم والخطاب والغيبة . أما الشعر فإن فيه تخصيص الخطاب بعد التعميم لكون المقصود الأعظم هو خطاب ليلى ، وأما الآية فقد قال الزمخشري : خص النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بالنداء ، وعم بالخطاب لأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، إمام أمته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان افعلوا كيت وكيت ، إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه ، وأنه مدرة قومه ولسانهم ، والذي يصدر عنهم رأيه ولا يستبدون بأمر دونه ، فكان هو وحده في حكم كلهم وساداً مسد جميعهم . قوله : ( بهذا الرجل ) أي : بمحمد ، عليه الصلاة والسلام . وإنما لم يقل : بي ، لأنه حكاية عن قول الملائكة للمقبور . والقائل هما الملكان السائلان المسميان بمنكر ونكير . فإن قلت : لِمَ لا يقولان رسول الله ؟ قلت : لئلا يتلقن المقبور منهما إكرام الرسول ورفع مرتبته فيعظمه تقليداً لهما لا اعتقاداً . قوله : ( أو الموقن ) أي : المصدق بنبوة محمد ، عليه الصلاة والسلام ، أو الموقن بنبوته . قوله : ( جاءنا بالبينات ) أي : بالمعجزات الدالة على نبوته ، و : الهدى ، أي : الدلالة الموصلة إلى البغية أو الإرشاد إلى الطريق الحق الواضح . قوله : ( فأجبنا ) أي : قبلنا نبوته معتقدين حقيتها معترفين بها ، واتبعناه فيما جاء به إلينا . ويقال : الإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل . قوله : ( صالحاً ) أي : منتفعاً بأعمالك وأحوالك ، إذ الصلاح كون الشيء في حد الانتفاع . ويقال : لا روع عليك مما يروع به الكفار من عرضهم على النار أو غيره من عذاب القبر ، ويجوز أن يكون معناه صالحاً لأن تكرم بنعيم الجنة . قوله : ( إن كنت لموقنا ) قال الدراوردي : معناه أنك مؤمن ، كما قال تعالى : * ( كنتم خير أمة ) * ( آل عمران : 110 ) أي : أنتم . قال القاضي : والأظهر أنه على بابها ، والمعنى : أنك كنت مؤمناً . يكون معناه : إن كنت مؤمناً في علم الله تعالى ، وكذلك قيل في قوله : * ( كنتم خير أمه ) * ( آل عمران : 110 ) أي : في علم الله . قوله : ( وأما المنافق ) أي : غير المصدق بقلبه لنبوته ، وهو في مقابلة المؤمن . قوله : ( والمرتاب ) أي : الشاك ، وهو في مقابلة الموقن . وهذا اللفظ يشترك فيه الفاعل والمفعول ، والفرق بالقرينة ، وأصله : مرتيب ، بفتح الياء في المفعول ، وكسرها في الفاعل من الريب ، وهو الشك . قوله : ( فقلته ) أي : قلت ما كان الناس يقولونه ، وفي بعض النسخ بعده : وذكر الحديث إلى آخره ، وهو كما جاء في بعض الروايات الأخر أنه يقال : ( لا دريت ولا تليت ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين ) . نسأل الله العافية .