العيني
98
عمدة القاري
بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه : الأول : فيه كون الجنة والنار مخلوقتين اليوم ، وهو مذهب أهل السنة ، ويدل عليه الآيات والأخبار المتواترة ، مثل قوله تعالى : * ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) * ( الأعراف : 22 ، طه : 121 ) وقوله : * ( عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ) * ( النجم : 15 ) : * ( وجنة عرضها السماوات والأرض ) * ( آل عمران : 133 ) إلى غير ذلك من الآيات ، وتواتر الأخبار في قصة آدم ، عليه الصلاة والسلام ، عن الجنة ودخوله إياها وخروجه منها ، ووعده الرد إليها ، كل ذلك ثابت بالقطع . قال إمام الحرمين : أنكر طائفة من المعتزلة خلقهما قبل يوم الحساب والعقاب ، وقالوا : لا فائدة في خلقهما قبل ذلك ، وحملوا قصة آدم على بستان من بساتين الدنيا . قال : وهذا باطل وتلاعب بالدين وانسلال عن إجماع المسلمين . وقال القاضي أبو بكر بن العربي : الجنة مخلوقة مهيأة بما فيها ، سقفها عرش الرحمن وهي خارجة من أقطار السماوات والأرض ، وكل مخلوق يفنى ويجدد أو لا يجدد إلاَّ الجنة والنار ، وليس للجنة سماء إلاَّ ما جاء في الصحيح . يعني قوله : ( وسقفها عرش الرحمن ) ، ولها ثمانية أبواب . وروي : أنها كلها مغلقة إلاَّ باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها . وأما من قال بأن قوله : * ( وجنة عرضها السماوات والأرض ) * ( آل عمران : 133 ) يدل على أنها مخلوقة فغير مستقيم لما تقدم من أنها في عالم آخر ، والمعنى : عرضها كعرض السماوات والأرض ، كما جاء في موضع آخر فحذف ههنا . وسألت اليهود عمر ، رضي الله عنه ، عن هذه الآية ، وقالوا : أين تكون النار ؟ فقال لهم عمر ، رضي الله عنه : أرأيتم إذا جاء الليل ، فأين يكون النهار ؟ وإذا جاء النهار فأين يكون الليل ؟ فقالوا له : لقد نزعت مما في التوراة . وعن ابن عباس ، رضي الله عنه : تقرن السماوات السبع والأرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها ببعض ، فذلك عرض الجنة ، ولا يصف أحد طولها لاتساعه . وقيل : عرضها سعتها ، ولم يرد العرض الذي هو ضد الطول ، والعرب تقول : ضربت في أرض عريضة ، أي : واسعة . الثاني : فيه إثبات عذاب القبر مع غيره من الأدلة ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة ، وإحياء الميت . قال الإمام أبو المعالي : تواترت الأخبار بذلك ، وباستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر . الثالث : فيه سؤال منكر ونكير ، وهما ملكان يرسلهما الله تعالى يسألان الميت عن الله تعالى وعن رسول الله ، عليه الصلاة والسلام . الرابع : فيه خروج الدجال . الخامس : فيه أن الرؤية ليست مشروطة بشيء عقلاً من المواجهة ونحوها ، ووقوع رؤية الله تعالى له صلى الله عليه وسلم وأن من ارتاب في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته فهو كافر . السادس : فيه جواز التخصيص بالمخصصات العقلية والعرفية . السابع : فيه جواز وقوع الفعل مستثنى صورة . الثامن : فيه تعدد المضافين لفظاً إلى مضاف واحد . التاسع : فيه جواز إظهار حرف الجر بين المضاف والمضاف إليه . العاشر : فيه سنية صلاة الكسوف وتطويل القيام فيها . الحادي عشر : فيه مشروعية هذه الصلاة للنساء أيضاً . الثاني عشر : فيه جواز حضورهن وراء الرجال في الجماعات . الثالث عشر : فيه جواز السؤال من المصلي . الرابع عشر : فيه امتناع الكلام في الصلاة . الخامس عشر : فيه جواز الإشارة ، ولا كراهة فيها إذا كان لحاجة . السادس عشر : فيه جواز العمل اليسير في الصلاة ، وإنه لا يبطلها . السابع عشر : فيه جواز التسبيح للنساء في الصلاة . فإن قلت : لهن التصفيح لا التسبيح إذا نابهن شيء . قلت : المقصود من تخصيص التصفيح بهن أن لا يسمع الرجال صوتهن ، وفيما نحن فيه القصة جرت بين الأختين ، أو التصفيح هو الأولى لا الواجب . الثامن عشر : فيه استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف . التاسع عشر : فيه أن الخطبة يكون أولها التحميد والثناء على الله ، عز وجل . العشرون : قال النووي : فيه أن الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل باقياً . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : إن لفظة الشيء في قوله : ( ما من شيء ) أعم العام ، وقد وقع نكرة في سياق النفي أيضاً ، ولكن بعض الأشياء مما لا يصح رؤيته . أجيب : بأن الأصوليين قالوا : ما من عام إلاَّ وقد خص ، إلاَّ : * ( والله بكل شيء عليم ) * ( البقرة : 231 و 282 ، النساء : 176 ، المائدة : 97 ، الأنفال : 75 ، التوبة : 115 ، النور : 35 و 64 ، الحجرات : 16 ، المجادلة : 7 ، التغابن : 11 ) والمخصص قد يكون عقلياً أو عرفياً ، فخصصه العقل بما صح رؤيته ، والعرف بما يليق أيضاً بأنه مما يتعلق بأمر الدين والجزاء ونحوهما . ومنها ما قيل : هل فيه دلالة على أنه ، عليه الصلاة والسلام ، رأى في هذا المقام ذات الله سبحانه وتعالى ؟ أجيب : نعم ، إذ : الشيء يتناوله والعقل لا يمنعه والعرف لا يقتضي إخراجه . ومنها ما قيل : من أين علم الغشي وصب الماء كانا في الصلاة . أجيب : بأنه من حيث جعل ذلك مقدماً على الخطبة ، والخطبة متعقبة للصلاة لا واسطة بينهما بدليل الفاء في : فحمد الله تعالى . ومنها ما قيل : هذان فعلان يفسدان الصلاة . أجيب : بأنه محمول على أنه لم تكن أفعالها متوالية ، وإلاَّ بطلت الصلاة .