العيني
85
عمدة القاري
في انتهائه ، ولهذا قال ثمة : ( يثبت الجهل ) ، وههنا ( يظهر ) ومن الدليل على إطلاق القلة وإرادة العدم والرفع أنه وقع ههنا في رواية مسلم عن غندر ، وغيره عن شعبة : أن يرفع العلم . وكذا في رواية سعيد عند ابن أبي شيبة ، وهمام عند البخاري في الحدود ، وهشام عنده في النكاح ، كلهم عن قتادة ، وهو موافق لرواية أبي التياح . وفي رواية للبخاري أيضاً في الأشربة ، من طريق هشام : أن يقل ، فافهم . ومنها ما قيل : ما فائدة التعريف في قوله : ( القيم ) ، وكان حق الظاهر أن يقال : قيم واحد ؟ أجيب : بأن فائدته الإشعار بما هو معهود من : * ( الرجال قوامون على النساء ) * ( النساء : 34 ) فاللام للعهد . ومنها ما قيل : ما فائدة تخصيص هذه الأشياء الخمسة بالذكر ؟ أجيب : بأن فائدة ذلك أنها مشعرة باختلال الضرورات الخمس الواجبة رعايتها في جميع الأديان التي بحفظها صلاح المعاش والمعاد ونظام أحوال الدارين ، وهي : الدين والعقل والنفس والنسب والمال ، فرفع العلم مخل بحفظ الدين ، وشرب الخمر بالعقل وبالمال أيضاً ، وقلة الرجال سبب الفتن بالنفس وظهور الزنا بالنسب ، وكذا بالمال . ومنها ما قيل : لِمَ كان اختلال هذه الأمور من علاماتها ؟ أجيب : لأن الخلائق لا يتركون سدى ولا نبي بعد هذا الزمان ، فتعين خراب العالم ، وقرب القيامة . وقال القرطبي : في هذا الحديث علم من أعلام النبوة ، إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت ، خصوصاً في هذه الأزمان . والله المستعان . 22 ( ( بابُ فَضْلِ العلْمِ ) ) أي : هذا باب في بيان فضل العلم ، وجه المناسبة بين البابين ظاهر ، لأن المذكور في كل منهما العلم ، ولكن في كل واحد بصفة من الصفات ، ففي الأول : بيان رفعه ، وفي هذا بيان فضله . ولا يقال : إن هذا الباب مكرر لأنه ذكره مرة في أول كتاب العلم ، لأنا نقول : هذا الباب بعينه ليس بثابت في أول كتاب العلم في عامة النسخ ، ولئن سلمنا وجوده هناك فالمراد التنبيه على فضيلة العلماء ، وههنا التنبيه على فضيلة العلم ، وقد حققنا الكلام هناك كما ينبغي . وقال بعضهم : الفضل ههنا بمعنى : الزيادة أي : ما فضل عنه ، والفضل الذي تقدم في أول كتاب العلم بمعنى : الفضيلة ، فلا يظن أنه كرره . قلت : لم يبوب البخاري هذا الباب لبيان أن الفضل بمعنى الزيادة ، ولم يقصد به الإشارة إلى معناه اللغوي ، بل قصده من التبويب بيان فضيلة العلم ، ولا سيما الباب من جملة أبواب كتاب العلم ، فإن كان القائل أخذ ما قاله من قوله ، عليه السلام ، في الحديث : ( ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب ) ، فإنه لا دخل له في الترجمة ، فإنها ليست في بيان إعطاء النبي ، عليه السلام ، فضله لعمر ، رضي الله عنه . وإنما ترجمته في بيان فضل العلم وشرف قدره ، واستنبط البخاري بأن إعطاءه ، عليه السلام ، فضله لعمر عبارة عن العلم ، وهو عين الفضيلة ، لأنه جزء من النبوة ، وما فضل عنه ، عليه السلام ، فضيلة وشرف ، وقد فسره : بالعلم ، فدل على فضيلة العلم . 82 حدّثنا سَعيدُ بنُ عُفَيْرٍ قال : حدّثني اللَّيْثُ قال : حدّثني عُقَيْلٌ عن ابن شِهابٍ عنْ حَمْزَةَ بن عَبْدِ اللَّه بنِ عُمَرَ أنَّ ابنَ عُمَرَ قال : سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بَيْنا أنا نائِمٌ أتيِتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى أَنِّي لأرى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أظْفارِي ، ثُمَّ أعْطَيْتُ فَضْلي عُمَرَ بن الخَطَّابِ ) . قالُوا : فمَا أوَّلْتَهُ يا رسولَ الله ؟ قال : ( العِلْمَ ) . . مطابقة الحديث للترجمة من الوجه الذي ذكرناه الآن . بيان رجاله : وهم ستة . الأول : سعيد بن عفير ، بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء ، وقد مر . الثاني : ليث بن سعد ، الإمام الكبير المصري ، وقد تقدم . الثالث : عقيل ، بضم العين وفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره لام : ابن خالد الأيلي ، بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف ، وقد تقدم . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : حمزة بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهم ، المكنى : بابي عمارة ، بضم العين ؛ القرشي المدني العدوي التابعي ، سمع أباه وعائشة . قال أحمد بن عبد اللَّه :