العيني

84

عمدة القاري

بيان اللغات والإعراب : قوله : ( أن يقل ) ، بكسر القاف : من القلة ضد الكثرة . قوله : ( القيم الواحد ) ، بفتح القاف وكسر الياء المشددة ، وهو القائم بأمور النساء ، وكذا القيام والقوام . يقال : فلان قوام أهل بيته وقيامه ، وهو الذي يقيم شأنهم . ومنه قوله : تعالى : * ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) * ( النساء : 5 ) وقوام الأمر أيضاً : ملاكه الذي يقوم به ، وأصل : قيم قيوم على وزن فيعل ، اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فأبدلت من الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء . ولم يعكس الأمر ههنا هرباً من الالتباس : بقوم ، الذي هو ماضٍ من التقويم . قوله : ( لأحدثنكم ) اللام فيه مفتوحة ، وهو جواب قسم محذوف ، أي والله لأحدثنكم ، ولهذا جاز دخول النون المؤكدة عليه ، وصرح به أبو عوانة من طريق هشام عن قتادة ، وفي رواية مسلم عن غندر عن شعبة : ( ألا أحدثكم ) . فيحتمل أن يكون قال لهم أولاً : ألا أحدثكم ، فقالوا : نعم . فقال : لأحدثنكم . قوله : ( حديثاً ) قائم مقام أحد المفعولين : لأحدثنكم . قوله : ( لا يحدثكم أحد ) جملة من الفعل والمفعول والفاعل في محل النصب على أنها صفة لقوله : ( حديثا ) . قوله : ( بعدي ) ، كلام إضافي صفة : لأحد ، وفي رواية مسلم : ( لا يحدث أحد بعدي ) . بحذف المفعول ، وفي رواية ابن ماجة عن غندر عن شعبة : ( لا يحدثكم به أحد بعدي ) . وفي رواية البخاري من طريق هشام : ( لا يحدثكم به غيري ) . وفي رواية أبي عوانة من هذا الوجه : لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام بعدي . قوله : ( سمعت ) بيان أو بدل لقوله : ( لأحدثنكم ) وقد مر توجيه كيفية جعل الذات مسموعاً . قوله : ( يقول ) جملة وقعت حالاً . قوله : ( أن يقل العلم ) في محل الرفع على الابتداء ، وأن : مصدرية . قوله : ( من أشراط الساعة ) خبر مقدم ، والتقدير : من أشراط الساعة قلة العلم . قوله : ( ويظهر ) في الموضعين ، و : تكثر ويقل ، في الأخير كلها منصوبات بتقدير : أن ، لأنها عطف على قوله : ( أن يقل العلم ) والكل على صيغة المعلوم . قوله : ( حتى يكون ) حتى ، ههنا للغاية ، بمعنى إلى ، و : أن ، بعدها مقدرة . قوله : ( القيم ) مرفوع لأنه اسم : يكون ، و : الواحد ، صفته . بيان المعاني : قوله : ( وتكثر النساء ويقل الرجال ) قال القاضي والنووي وغيرهما : يقل الرجال بكثرة القتل فيموت الرجال فتكثر النساء ، وبقتلهم يكثر الفساد والجهل . وقال أبو عبد الملك : هو إشارة إلى كثرة الفتوح فتكثر السبايا ، فيتخذ الرجل الواحد عدة موطوآت . وقال بعضهم : فيه نظر ، لأنه صرح بالعلة في حديث أبي موسى الآتي في الزكاة عند المصنف . فقال : ( من قلة الرجال وكثرة النساء ) . والظاهر أنها علامة محضة لا لسبب آخر . قلت : ليس في حديث أبي موسى شيء من التنبيه على العلة ، لا صريحاً ولا دلالة ، وإنما معنى قوله : ( من قلة الرجال وكثرة النساء ) مثل معنى قوله في هذا الحديث : ( وتكثر النساء ويقل الرجال ) ، والعلة لهذا لا تطلب إلاَّ من خارج ، وقد ذكروا هذين الوجهين ، ويمكن أن يقال : يكثر في آخر الزمان ولادة الإناث ، ويقل ولادة الذكور ، وبقلة الرجال يظهر الجهل ويرفع العلم ، ويكفي كثرتهن في قلة العلم وظهور الجهل والزنا ، لأن النساء حبائل الشيطان وهن ناقصات عقل ودين . قوله : ( لخمسين امرأة ) يحتمل أن يراد بها حقيقة هذا العدد ، وأن يراد بها كونها مجازاً عن الكثرة ، ولعل السر فيه أن الأربعة في كمال نصاب الزوجات ، فاعتبر الكمال مع زيادة واحدة عليه ، ثم اعتبر كل واحدة بعشر أمثالها ليصير فوق الكمال مبالغة في الكثرة ، أو لأن الأربعة منها يمكن تألف العشرة ، لأن فيها واحد أو اثنين وثلاثة وأربعة ، وهذا المجموع : عشرة ، ومن العشرات المئات ، ومن المئات الألوف ، فهي أصل جميع مراتب الأعداد ، فزيد فوق الأصل واحد آخر ثم اعتبر كل واحدة منها بعشر أمثالها أيضاً تأكيداً للكثرة ، ومبالغة فيها . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : من أين عرف أنس ، رضي الله عنه ، أن أحداً لا يحدث بعده ؟ أجيب : بأنه لعله عرفه بإخبار الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، أو قال بناء على ظنه أنه لم يسمع الحديث غيره من رسول الله ، عليه الصلاة والسلام . وقال ابن بطال : يحتمل أن أنساً ، رضي الله عنه ، قال ذلك لأنه لم يبق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره ، أو لما رأى من التغير ونقص العلم فوعظهم بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في نقص العلم أنه من أشراط الساعة ، ليحضهم على طلب العلم ، ثم أتى بالحديث على نصه . قلت : يحتمل أن يكون الخطاب بذلك لأهل البصرة خاصة ، لأنه آخر من مات بالبصرة ، رضي الله عنه . ومنها ما قيل : إن قلة العلم تقتضي بقاء شيء منه ، وفي الحديث السابق : ( يرفع العلم ) ، والرفع عدم بقائه ، فبينهما تناف . أجيب : بأن القلة قد تطلق ويراد بها العدم ، أو كان ذلك باعتبار الزمانين ، كما يقال مثلاً : القلة في ابتداء أمر الإشراط والعدم