العيني
83
عمدة القاري
والسلام ، جمع بين الأشياء الأربعة بحرف الجمع ، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع ، ووجود المجموع هو العلامة لوقوع الساعة ، وكل منها جزء العلة ، فحينئذٍ تقييد الشرب بالكثرة لا يفيد . وقد قلنا : إن ما ورد من قوله : ويكثر شرب الخمر ، لا ينافي كون مطلق الشرب جزء علة ، وكل من الشرب المطلق والشرب المقيد بالكثرة والشهرة جزء علة لأن العلة الدالة على وقوع الحكم هي العلة المركبة من وجود الأشياء الأربعة . ثم الخمر في اللغة من التخمير ، وهو : التغطية . سميت به لأنها تغطي العقل . ومنه الخمار للمرأة ، وفي ( العباب ) : يقال : خمرة وخمر وخمور . مثال تمرة وتمر وتمور ، ويقال : خمرة صرف ، وفي الحديث : ( الخمرة ما خامر العقل ) . وقال ابن الأعرابي : سميت الخمرة خمراً لأنها تركت فاختمرت ، واختمارها تغيير ريحها ، وعند الفقهاء : الخمر هي النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد ، ويلحق بها غيرها من الأشربة إذا أسكر . قوله : ( ويظهر الزنا ) أي : يفشو وينتشر ، وفي رواية مسلم : ( ويفشو الزنا ) ، والزنا : يمد ويقصر ، والقصر لأهل الحجاز قال الله تعالى : * ( ولا تقربوا الزنا ) * ( الإسراء : 32 ) والمد لأهل نجد ، وقد زنى يزني وهو من النواقص اليائية ، والنسبة إلى المقصور : زنوي ، وإلى المدود : زنائي . بيان الإعراب : قوله : ( أن ) : حرف من الحروف المشبهة بالفعل يرفع وينصب فقوله : ( أن يرفع العلم ) في محل النصب اسمها ، و : أن ، مصدرية تقريره : رفع العلم . وخبرها قوله : ( من أشراط الساعة ) وفي رواية النسائي : ( من أشراط الساعة أن يرفع العلم ) ، من غير أن في أوله ، فعلى هذه الرواية يكون محل ( أن يرفع العلم ) الرفع على الابتداء ، وخبره مقدماً ( من أشراط الساعة ) . وقال بعضهم : وسقطت : أن ، من رواية النسائي حيث أخرجه عن عمران شيخ البخاري . قلت : هذا غفلة وسهو ، لأن شيخ البخاري هو عمران بن ميسرة ، وشيخ النسائي هو عمران بن موسى . قوله : ( ويثبت ) بالنصب عطفاً على : ( أن يرفع ) ، وكذلك : ( ويشرب ويظهر ) منصوبان بالعطف على المنصوب ، و : أن ، مقدرة في الجمع ، و : يرفع ويشرب ، مجهولان ، و : ويثبت ويظهر ، معلومان . بيان المعاني : قوله : ( أن يرفع العلم ) فيه إسناد مجازي ، والمراد : رفعه بموت حملته وقبض العلماء ، وليس المراد محوه من صدور الحفاظ وقلوب العلماء ، والدليل عليه ما رواه البخاري في باب : كيف يقبض العلم ؟ عن عبد اللَّه بن عمر ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فيسألوا ، فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) . وبين بهذا الحديث أن المراد برفع العلم هنا قبض أهله وهم العلماء لا محوه من الصدور ، لكن بموت أهله واتخاذ الناس رؤساء جهالاً فيحكمون في دين الله تعالى برأيهم ويفتون بجهلهم ، قال القاضي عياض : وقد وجد ذلك في زماننا ، كما أخبر به ، عليه الصلاة والسلام . قال الشيخ قطب الدين : قلت : هذا قوله مع توفر العلماء في زمانه ، فكيف بزماننا ؟ قال العبد الضعيف : هذا قوله مع كثرة الفقهاء والعلماء من المذاهب الأربعة والمحدثين الكبار في زمانه ، فكيف بزماننا الذي خلت البلاد عنهم ، وتصدرت الجهال بالإفتاء والتعين في المجالس والتدريس في المدارس ؟ فنسأل السلامة والعافية . 81 حدّثنا مُسَدَّدٌ قال : حدّثنا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ قالَ : لأحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثاً لا يُحَدِّثُكُمْ أحَدٌ بَعْدِي ، سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( منْ أشْراطِ السَّاعَةِ أنْ يَقلَّ العِلْمُ ، ويَظْهَرَ الجَهلُ ، ويَظْهَرَ الزِّنا ، وتَكْثُرَ النِّساءُ ويَقِلَّ الرِّجالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسينَ امْرَأةً القَيِّمُ الوَاحدُ ) . . مطابقة هذا أيضاً للترجمة ظاهرة ، ففي الترجمة : رفع العلم ، من لفظ الحديث الأول ، وفيها : ظهور الجهل من لفظ هذا الحديث . بيان رجاله : وهم خمسة ، والكل قد ذكروا غير مرة ، ويحيى هو ابن سعيد القطان ، والكل بصريون ، وبهذا الترتيب وقع في باب الإيمان : ( أن يحب لأخيه ) . وفي إسناده تحديث وعنعنة وسماع . قوله : ( عن أنس ) ، وفي رواية الأصيلي : عن أنس بن مالك . بيان من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضاً في القدر عن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر عن شعبة عن قتادة عن أنس به . وأخرجه الترمذي في الفتن عن محمود بن غيلان عن النضر بن شميل عن شعبة عنه به ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي في العلم عن عمرو بن علي وأبي موسى ، وابن ماجة في الفتن عن أبي موسى وبندار ، ثلاثتهم عن غندر عن شعبة به .