العيني

79

عمدة القاري

من فقه ) و : من ، موصولة و : لم يرفع بذلك رأساً ، صلتها . قوله : ( ولم يقبل ) عطف على : ( من لم يرفع ) . و : ( هدى الله ) كلام إضافي مفعول : لم يقبل ، وقوله : ( الذي أرسلت به ) ، في محل النصب لأنه صفة هدى . و : أرسلت ، مجهول ، والضمير في : به ، يرجع إلى : الذي . فافهم . بيان المعاني : فيه عطف المدلول على الدليل : لأن الهدى هو الدلالة ، والعلم هو المدلول ، وجهة الجمع بينهما هو النظر إلى أن الهدى بالنسبة إلى الغير أي التكميل ، والعلم بالنسبة إلى الشخص أي الكمال . ويقال : الهدى الطريقة ، والعلم هو العمل ، وفيه عطف الخاص على العام : لأن العشب أعم من الكلأ ، كما ذكرناه . والتخصيص بالذكر لفائدة الاهتمام به لشرفه ، ونحوه . وفيه حذف المفاعيل من قوله : ( فشربوا وسقوا وزرعوا ) ، لكونها معلومة ، ولأنها فضلة في الكلام . والتقدير : فشربوا من الماء وسقوا دوابهم وزرعوا ما يصلح للزرع . وفيه ضرب الأمثال . وقال الخطابي : هذا مثل ضرب لمن قبل الهدى وعلم ثم علم غيره فنفعه الله ونفع به ، ومن لم يقبل الهدى فلم ينفع بالعلم ولم ينتفع به . قلت : فعلى هذا لم يجعل الناس على ثلاثة أنواع ، بل على نوعين . وقال الطيبي : القسمة الثنائية هي المتصورة ، وذلك أن : ( أصاب منها طائفة ) ، معطوف على : أصاب أرضاً . و : كانت ، الثانية معطوفة على : كان ، لا على : أصاب . وقسمت الأرض الأولى إلى النقية وإلى الاجادب ، والثانية على عكسها ، وفي : كان ، ضم وتر إلى وتر ، وفي أصاب ، ضم شفع إلى شفع ، وهو نحو قوله تعالى : * ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) * ( الأحزاب : 35 ) من جهة أنه عطف الإناث على الذكور أولاً ، ثم عطف الزوجين على الزوجين ، وكذا ههنا عطف : كانت على كانت ، ثم عطف : أصاب على أصاب . فالحاصل أنه قد ذكر في الحديث الطرفان العالي في الاهتداء والعالي في الضلال ، فعبر عمن قبل هدى الله والعلم بقوله : ( فقه ) ، وعن أبي قبولها بقوله : ( لم يرفع بذلك رأساً ) . لأن ما بعدها وهو : نفعه . . . إلى آخره ، في الأول . ولم يقبل هدى الله . . . إلى آخره ، في الثاني عطف تفسيري لفقه ، ولقوله : ( لم يرفع ) ، وذلك لأن الفقيه هو الذي علم وعمل ، ثم علم غيره وترك الوسط ، وهو قسمان : أحدهما : الذي انتفع بالعلم في نفسه فحسب ، والثاني : الذي لم ينتفع هو بنفسه ، ولكن نفع الغير . وقال المظهري في ( شرح المصابيح ) : إعلم أنه ذكر في تقسيم الأرض ثلاثة أقسام ، وفي تقسيم الناس باعتبار قبول العلم قسمين : أحدهما من فقه ونفع الغير ، والثاني من لم يرفع به رأساً . وإنما ذكره كذلك لأن القسم الأول والثاني من أقسام الأرض كقسم واحد من حيث إنه ينتفع به ، والثاني هو ما لا ينتفع به ، وكذلك الناس قسمان : من يقبل ومن لا يقبل . وهذا يوجب جعل الناس في الحديث على قسمين : من ينتفع به ومن لا ينتفع . وأما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام : فمنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به ولم يبلغ درجة الإفادة ، ومنهم من يقبل ويبلغ ، ومنهم من لا يقبل . وقال الكرماني : ويحتمل لفظ الحديث تثليث القسمة في الناس أيضاً ، بأن يقدر قبل لفظة : نفعه ، كلمة : من ، بقرينة عطفه على : من فقه ، كما في قوله حسان ، رضي الله عنه . * أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء ؟ * إذ تقديره : ومن يمدحه ، وحينئذٍ يكون الفقيه بمعنى العالم بالفقه مثلاً في مقابلة الأجادب ، والنافع في مقابلة النقية على اللف والنشر غير المرتب ، ومن لم يرفع في مقابلة القيعان . فإن قلت : لمَ حذف لفظة : من ؟ قلت : إشعاراً بأنهما في حكم شيء واحد ، أي : في كونه ذا انتفاع في الجملة كما جعل للنقية والاجادب حكماً واحداً ، ولهذا لم يعطف بلفظ أصاب في الأجادب . انتهى . وقال النووي : معنى هذا التمثيل أن الأرض ثلاثة أنواع ، فكذلك الناس . فالنوع الأول : من الأرض ينتفع بالمطر فتحيي بعد أن كانت ميتة ، وتنبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب . والنوع الأول : من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه ويحيي قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع . والنوع الثاني : من الأرض : ما لا يقبل الانتفاع في نفسها ، لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها ، فينتفع به الناس والدواب . وكذا النوع الثاني : من الناس : لهم قلوب حافظة ، لكن ليست لهم أذهان ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام ، وليس لهم اجتهاد في العمل به ، فهم يحفظونه حتى يجيء أهل العلم للنفع والانتفاع ، فيأخذه منهم فينتفع به ، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم . والثالث : من الأرض : هو السباخ التي لا تنبت ، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها ، وكذلك الثالث من الناس : ليست لهم قلوب حافظة ، ولا أفهام واعية ، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم . الأول : المنتفع النافع ، والثاني : النافع غير المنتفع . والثالث : غير النافع وغير المنتفع . فالأول : إشارة إلى العلماء . والثاني إلى النقلة . والثالث : إلى من لا علم له ولا عقل . قلت : الصواب مع الطيبي ، لأن تقسيم الأرض ، وإن كان ثلاثة