العيني

80

عمدة القاري

بحسب الظاهر ، ولكنه في الحقيقة قسمان ، لأن النوعين محمودان والثالث مذموم ، وتقسيم الناس نوعان : أحدهما ممدوح ، أشار إليه بقوله : ( مثل من فقه في دين الله تعالى ) الخ والآخر مذموم ، أشار إليه بقوله : ( ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ) ، وما ذكره الكرماني تعسف ، وهذا التقدير الذي ذكره غير سائغ في الاختيار . وباب الشعر واسع . وأيضاً يلزمه أن يكون تقسيم الناس أربعة : الأول : قوله : ( مثل من فقه في دين الله تعالى ) . والثاني : قوله : ( ونفعه ما بعثني الله به ) على قوله : والثالث : قوله : ( ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ) . والرابع : ( ولم يقبل هدى الله ) . قوله : ( فنفع الله بها ) أي : بأجادب ، وفي رواية الأصيلي : به ، وتذكيره الضمير باعتبار الماء . قوله : ( وزرعوا ) من الزرع ، كذا رواية البخاري ، ولمسلم والنسائي وغيرهما : ( ورعوا ) ، من الرعي . قال النووي : كلاهما صحيح ، ورجح القاضي عياض رواية مسلم . وقال : هو راجع إلى الأولى ، لأن الثانية لم يحصل منها نبات . قلت : ويمكن أن يرجع إلى الثانية أيضاً ، بمعنى أن الماء الذي استقر بها سقيت منه أرض أخرى فأنبتت . وقال الشيخ قطب الدين : ويحتمل أن يريد بقوله : ( ورعوا ) ، الناس الذي أخذوا العلم عن الذين حملوه على الناس ، وهم غير الأصناف الثلاثة على رأي جماعة . وروي : ووعوا ، وهو تصحيف . قوله : ( من لم يرفع بذلك رأساً ) يعني : تكبر ، يقال ذلك ويراد به أنه لم يلتفت إليه من غاية تكبره . بيان البيان : فيه تشبيه ما جاء به النبي ، عليه الصلاة والسلام ، من الدين بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه ، وتشبيه السامعين له بالأرض المختلفة . فالأول : تشبيه المعقول بالمحسوس ، والثاني : تشبيه المحسوس بالمحسوس ، وعلى قول من يقول بتثليث القسمة يكون ثلاث تشبيهات على ما لا يخفى ، ويحتمل أن يكون تشبيهاً واحداً من باب التمثيل ، أي تشبيه صفة العلم الواصل إلى أنواع الناس من جهة اعتبار النفع وعدمه بصفة المطر المصيب ، إلى أنواع الأرض من تلك الجهة . قوله : ( فذلك مثل من فقه ) تشبيه آخر ذكر كالنتيجة للأول ، ولبيان المقصود منه . والتشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في وصف من أوصاف أحدهما في نفسه : كالشجاعة في الأسد ، والنور في الشمس . ولا بد فيه من : المشبه ، والمشبه به ، وأداة التشبيه ، ووجه الشبه . أما المشبه والمشبه به فظاهران ، وكذا أداة التشبيه وهي الكاف ، وأما وجه الشبه فهو الجهة الجامعة بين العلم والغيث ، فإن الغيث يحيي البلد الميت ، والعلم يحيي القلب الميت . فإن قلت : لم اختير الغيث من بين سائر أسماء المطر ؟ قلت : ليؤذن باضطرار الخلق إليه حينئذٍ ، قال تعالى : * ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) * ( الشورى : 28 ) . وقد كان الناس قبل المبعث قد امتحنوا بموت القلوب ، وتصوب العلم حتى أصابهم الله برحمة من عنده : وفيه التفصيل بعد الإجمال ، فقوله : ( أصاب أرضاً ) مجمل ، وقوله : ( فكان منها نقية ) إلى آخره . . . تفصيل ، فلذلك ذكره بالفاء . فإن قلت : لِمَ كرر لفظة : مثل ، في قوله : ( من لم يرفع ) ؟ أجيب : بأنه نوع آخر مقابل لما تقدم ، فلذلك كرره . قال أبُو عَبْدِ اللَّهِ : قال إِسْحاقُ : وكانَ مِنْها طائِفةٌ قَيَّلَتِ الماءَ أبو عبد اللَّه هو البخاري ، أراد أن إسحاق قال : قيلت ، بالياء آخر الحروف المشددة ، مكان قبلت بالباء الموحدة ، وقال الأصيلي : قيلت ، تصحيف من إسحاق ، وإنما هي : قبلت ، كما ذكر في أول الحديث ، وقال غيره : معنى قيلت : شربت القيل . وهو شرب نصف النهار ، يقال : قيلت الإبل إذا شربت نصف النهار . وقيل : معنى : قيلت : جمعت وحبست . قال القاضي : وقد رواه سائر الرواة ، غير الأصيلي : قبلت ، يعني بالباء الموحدة في الموضعين في أول الحديث وفي قول إسحاق ، فعلى هذا إنما خالف إسحاق في لفظة طائفة جعلها مكان نقية ، قاله الشيخ قطب الدين وبنحوه قال الكرماني . قال إسحاق : وفي بعض النسخ بعده : عن أبي أسامة ، يعني حماد بن أسامة ، والمقصود منه أنه روى إسحاق عن حماد لفظ : طائفة ، بدل ما روى محمد بن العلاء عن حماد لفظ : نقية . وأما إسحاق ، فقد قال الشيخ قطب الدين : هذا من المواضع المشكلة في كتاب البخاري ، فإنه ذكر جماعة في كتابه لم ينسبهم ، فوقع من بعض الناس اعتراض عليه بسبب ذلك لما يحصل من اللبس وعدم البيان ، ولا سيما إذا شاركهم ضعيف في تلك الترجمة ، وأزال الحاكم ابن الربيع اللبس بأن نسب بعضهم ، واستدل على نسبته . وذكر الكلاباذي بعضهم ، وذكر ابن السكن بعضاً ، ومن جملة التراجم المعترضة : إسحاق ، فإنه ذكر هذه الترجمة في مواضع من كتابه مهملة ، وهي كثيرة جداً . قال أبو علي الجياني : روى البخاري عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وإسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي ، وإسحاق بن منصور الكوسج عن أبي أسامة حماد بن أبي أسامة ، وقد حدث