العيني
51
عمدة القاري
الشهادة أعظم المنافع من جهة الآخرة ، وإن كانت مضرة بحسب الظاهر . فإن قلت : هل يجوز أن تتعلق حتى بالفعلين المذكورين بأن يتنازعا فيها . قلت : لا مانع من ذلك ، لا من جهة المعنى ولا من جهة الإعراب . فإن قلت : إذا كان : حتى ، بمعنى : إلى ، ويكون معنى : حتى يأتي أمر الله : إلى أن يأتي أمر الله . هل يكون بينهما فرق ؟ قلت : نعم بينهما فرق ، لأن مجرور : حتى ، يجب أن يكون آخر جزء من الشيء أو ما يلاقي آخر جزء منه . وقال الزمخشري في قوله : * ( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ) * ( الحجرات : 5 ) الفرق بينهما أن : حتى ، مختصة بالغاية المضروبة ، أي المعينة . تقول : أكلت السمكة حتى رأسها ، ولو قلت : حتى نصفها أو صدرها لم يجز ، و : إلى ، عامة في كل غاية . فافهم . بيان المعاني : فيه تنكير قوله : خيراً ، لفائدة التعميم ، لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي ، فالمعنى : من يرد الله به جميع الخيرات . ويجوز أن يكون التنوين للتعظيم ، والمقام يقتضي ذلك كما في قول الشاعر : * له حاجب عن كل أمر يشينه * أي : صاحب عظيم ، ومانع قوي . وفيه إنما التي تفيد الحصر ، والمعنى : ما أنا إلاَّ قاسم . فإن قلت : كيف يصح هذا وله صفات أخرى مثل كونه رسولاً ومبشراً ونذيراً . قلت : الحصر بالنسبة إلى اعتقاد السامع ، وهذا ورد في مقام كان السامع معتقداً كونه معطياً ، وإن اعتقد أنه قاسم فلا ينفي إلاَّ ما اعتقده السامع ، لا كل صفة من الصفات ، وحينئذٍ إن اعتقد أنه معطٍ لا قاسم فيكون من باب قصر القلب ، أي : ما أنا إلاَّ قاسم ، أي : لا معط ، وإن اعتقد أنه قاسم ومعط أيضاً فيكون من قصر الإفراد ، أي : لا شركة في الوصفين ، أي : بل أنا قاسم فقط ، ومعناه أنا أقسم بينكم ، فألقى إلى كل واحد ما يليق به ، والله يوفق من يشاء منكم لفهمه والتفكر في معناه . وقال التوربشتى : إعلم أن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، أعلم أصحابه أنه لم يفضل في قسمة ما أوحى الله إليه أحداً من أمته على أحد ، بل سوَّى في البلاغ وعدل في القسمة ، وإنما التفاوت في الفهم وهو واقع من طريق العطاء ، ولقد كان بعض الصحابة ، رضي الله عنهم ، يسمع الحديث فلا يفهم منه إلاّ الظاهر الجلي ، ويسمعه آخر منهم ، أو من بعدهم ، فيستنبط منه مسائل كثيرة ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وقال الشيخ قطب الدين في شرحه : ( إنما أنا قاسم ) ، يعني : أنه لم يستأثر بشيء من مال الله ، وقال النبي ، عليه الصلاة والسلام : ( ما لي بما أفاء الله عليكم إلاَّ الخمس ، وهو مردود عليكم ) . وإنما قال : ( أنا قاسم ) تطييباً لنفوسهم لمفاضلته في العطاء ، فالمال لله والعباد لله وأَنا قاسم بإذن الله ماله بين عباده . قلت : بين الكلامين بونٌ ، لأن الكلام الأول يشعر القسمة في تبليغ الوحي وبيان الشريعة ، وهذا الكلام صريح في قسمة المال . ولكل منهما وجه . أما الأول : فإن نظر صاحبه إلى سياق الكلام فإنه أخبر فيه أن من أراد الله به خيراً يفقهه في الدين ، أي : في دين الإسلام . قال الله تعالى : * ( إن الدين عند الله الإسلام ) * ( آل عمران : 19 ) وقيل : الفقه في الدين الفقه في القواعد الخمس ، ويتصل الكلام عليها في الأحكام الشرعية ، ثم لما كان فقههم متفاوتاً لتفاوت الأفهام أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إنما أنا قاسم ) . يعني هذا التفاوت ليس مني ، وإنما الذي هو مني هو القسمة بينكم يعنى : تبليغ الوحي إليهم من غير تخصيص بأحد ، والتفاوت في أفهامهم من الله تعالى ، لأنه هو المعطي ، يعطي الناس على قدر ما تعلقت به إرادته ، لأن ذلك فضل منه يؤتيه من يشاء . وأما الثاني : فإن نظر صاحبه إلى ظاهر الكلام ، لأن القسمة حقيقة تكون في الأموال ، ولكن يتوجه هنا السؤال عن وجه مناسبة هذا الكلام لما قبله ، ويمكن أن يجاب عنه بأن مورد الحديث كان وقت قسمة المال حين خصص ، عليه السلام ، بعضهم بالزيادة لحكمة اقتضت ذلك ، وخفيت عليهم ، حتى تعرض منهم بأن هذه قسمة فيها تخصيص لناس ، فرد عليهم النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وبقوله : ( من يرد الله به ) إلى آخره . . . ، يعني : من أراد الله به خيراً يوفقه ويزيد له في فهمه في أمور الشرع ، ولا يتعرض لأمر ليس على وفق خاطره ، إذ الأمر كله لله ، وهو الذي يعطي ويمنع ، وهو الذي يزيد وينقص ، والنبي ، عليه الصلاة والسلام ، قاسم وليس بمعط حتى ينسب إليه الزيادة والنقصان ، وعن هذا فسر أصحاب الكلام الثاني قوله عليه الصلاة والسلام : ( والله يعطي ) بقولهم : أي : من قسمت له كثيراً فبقدر الله تعالى ، وما سبق له في الكتاب ، وكذا من قسمت له قليلاً فلا يزداد لأحد في رزقه ، كما لا يزداد في أجله . وقال الداودي : في قوله : ( إنما أنا قاسم والله يعطي ) ، دليل على أنه إنما يعطي بالوحي ، ثم قال في آخر كلامه : إن شأن أمته القيام على أمر الله إلى يوم القيامة ، وهم الذين أراد الله بهم خيراً ، حتى فقهوا في الدين ، ونصروا الحق ولم يخافوا ممن خالفهم ، ولا أكثر ثوابهم :