العيني

52

عمدة القاري

* ( أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون ) * ( المجادلة : 22 ) قوله : ( والله يعطي ) فيه تقديم لفظة الله لإفادة التقوية عند السكاكي ، ولا يحتمل التخصيص أي : الله يعطي لا محالة ، وأما عند الزمخشري فيحتمله أيضاً ، وحينئذٍ يكون معناه : الله يعطي لا غيره . فإن قلت : إذا كانت هذه الجملة حالية ، أعني قوله : ( والله يعطي ) ، فما يكون معنى الحصر حينئذ ؟ قلت : الحصر بإنما دائماً في الجزء الأخير فيكون معناه : ما أنا بقاسم إلاَّ في حال إعطاء الله لا في حال غيره ، وفيه حذف المفعول أعني : مفعول يعطي ، لأنه جعله كاللازم إعلاماً بأن المقصود منه بيان اتخاد هذه الحقيقة ، أي : حقيقة الإعطاء لا بيان المفعول ، أي المعطي . قوله : ( ولن تزال ) . . . الخ ، أراد به أن أمته آخر الأمم ، وأن عليها تقوم الساعة ، وإن ظهرت أشراطها وضعف الدين فلا بد أن يبقى من أمته من يقوم به ، فإن قيل : قال ، عليه السلام : ( لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد الله ) ، وقال أيضاً : ( لا تقوم الساعة إلاَّ على شرار الخلق ) . قلنا : هذه الأحاديث لفظها العموم والمراد منها الخصوص ، فمعناه : لا تقوم على أحد يوحد الله تعالى إلاَّ بموضع كذا ، إذ لا يجوز أن تكون الطائفة القائمة بالحق توحد الله هي شرار الخلق ، وقد جاء ذلك مبيناً في حديث أبي أمامة ، رضي الله عنه . أنه ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ، قيل : وأين هم يا رسول الله ؟ قال : ببيت المقدس ، أو أكناف بيت المقدس ) . وقال النووي : لا مخالفة بين الأحاديث ، لأن المراد من أمر الله الريح اللينة التي تأتي قريب القيامة ، فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة ، وهذا قبل القيامة . وأما الحديثان الأخيران فهما على ظاهرهما إذ ذلك عند القيامة . فإن قلت : من هؤلاء الطائفة ؟ قلت : قال البخاري : هم أهل العلم . وقال الإمام أحمد : إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم . وقال القاضي عياض : إنما أراد الإمام أحمد أهل السنة والجماعة . وقال النووي : يحتمل أن تكون هذه الطائفة مفرقة من أنواع المؤمنين ، فمنهم مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد إلى غيره ذلك . بيان استنبطاط الأحكام : الأول : فيه دلالة على حجية الإجماع ، لأن مفهومة أن الحق لا يعدو الأمة ، وحديث : لا تجتمع أمتي على الضلالة ، ضعيف . الثاني : استدل به البعض على امتناع خلو العصر عن المجتهد . الثالث : فيه فضل العلماء على سائر الناس . الرابع : فيه فضل الفقه في الدين على سائر العلوم ، وإنما ثبت فضله لأنه يقود إلى خشية الله تعالى والتزام طاعته . الخامس : فيه إخباره ، عليه الصلاة السلام ، بالمغيبات . وقد وقع ما أخبر به ، ولله الحمد ، فلم تزل هذه الطائفة من زمنه وهلم جراً ، ولا تزول حتى يأتي أمر الله تعالى . 14 ( ( باب الفَهمِ في العِلْمِ ) ) أي : هذا باب في بيان الفهم في العلم . قال الكرماني : قال الجوهري : فهمت الشيء ، أي : علمته ، فالفهم والعلم بمعنى واحد ، فكيف يصح أن يقال : الفهم في العلم ؟ ثم أجاب بقوله : المراد من العلم المعلوم ، فكأنه قال : باب إدراك المعلومات . قلت : تفسير الفهم بالعلم غير صحيح ، لأن العلم عبارة عن الإدراك الكلي ، والفهم جودة الذهن ، والذهن قوة تقتنص الصور والمعاني ، وتشمل الإدراكات العقلية والحسية . وقال الليث : يقال : فهمت الشيء ، أي : عقلته وعرفته ، ويقال : فهم وفهم ، بتسكين الهاء وفتحها ، وهذا قد فسر الفهم بالمعرفة ، وهو غير العلم . فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : من حيث إن الفهم في العلم داخل في قوله ، عليه الصلاة والسلام : ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) . وقد مر أن الفقه هو الفهم . فافهم . 72 حدّثناعَلِيٌّ حدّثنا سُفْيانُ قال : قال لِي ابنُ أبي نَجِيحٍ : عن مُجاهدٍ قال : صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ إلَى المَدِينَةِ فَلْم أسْمَعه يُحدِّثُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ حَدِيثاً واحِداً ، قال : كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَأُتَي بِجُمَّارٍ فقال : ( إنّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثلُها كَمثَلِ المُسْلِمِ ) ، فَأرَدْتُ أن أقُولَ : هِيَ النَّخْلَةُ ، فإذَا أنا أصْغَرُ القَوْم ، فَسَكَتُّ . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هِيَ النَّخْلَةُ ) . مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن من الشجر ) . . . الحديث ، كان على سبيل الاستعلام منهم ،