العيني

50

عمدة القاري

لما اشهدناك ، ولا يقال في غير ذلك . والفقه : الفطنة . وقال عيسى بن عمر : قال لي أعرابيّ شهدت عليك بالفقه . أي : بالفطنة . وفي ( المحكم ) : الفقه العلم بالشيء والفهم له ، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلوم ، والأنثى : فقيهة من نسوة فقهاية ، وحكى اللحياني : من نسوة فقهاء ، وهي نادرة . وكأن قائل هذا من العرب لم يعتد بهاء التأنيث ، ونظيرها نسوة فقراء ، وفي ( الموعب ) لابن التيامي : فقه فقهاً مثال : حذر إذا فهم ، وافقهته إذا بينت له . وقال ثعلب : القرآن أصل لكل علم به فقه العلماء ، فمن قال : فقه فهو فقيه ، مثال : مرض فهو مريض ، وفقه فهو فقيه ، ككرم وظرف فهو كريم وظريف . وفي ( الصحاح ) : فاقهته إذا باحثته في العلم . وفي ( الجامع ) لأبي عبد اللَّه : فقه الرجل تفقه فقهاً فهو فقيه . وقيل : أفصح من هذا فقه يفقه مثل علم يعلم علماً ، والفقه علم الدين ، وقد تفقه الرجل تفقها كثر علمه ، وفلان ما يتفقه ولا يفقه ، أي : لا يعلم ولا يفهم ، وقالوا : كل عالم بشيء فهو فقيه به ، وفي ( الغريبين ) : فقه : فهم ، وفقه : صار فقيهاً . وقال ابن قتيبة : يقال للعلم الفقه لأنه عن الفهم يكون ، والعالم فقيه لأنه إنما يعلم بفهمه على تسمية الشيء بما كان له سبباً . وقال ابن الأنباري : قولهم : رجل فقيه ، معناه : عالم . قوله : ( قاسم ) اسم فاعل من قسم الشيء يقسمه قسماً ، بالفتح ، والقسم ، بالكسر ، الحظ والنصيب ، وبالفتح أيضاً هو : القسمة بين النساء في البيتوتة ، والقسم ، بفتحتين : اليمين . والقسمة الاسم . قوله : ( ولن تزال ) : الفرق بين : زال يزال ، وزال يزول هو أن الأول من الأفعال الناقصة ، ويلزمه النفي بخلاف الثاني ، والأمة : الجماعة . قال الأخفش : هو في اللفظ واحد ، وفي المعنى جمع . وكل جنس من الحيوان أمة . وفي الحديث : ( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ) . والأمة القامة ، والأمة الطريقة والدين . وقوله تعالى : * ( كنتم خير أمة ) * ( آل عمران : 110 ) قال الأخفش : يريد أهل أمة ، أي : خير أهل دين ، والأمة الحين . قال تعالى : * ( واذكر بعد أمة ) * ( يوسف : 45 ) وقال : * ( ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ) * ( هود : 8 ) والأمة ، بالكسر ، لغة في الأمة ، والأمة ، بالكسر أيضاً : النعمة ، والأمة ، بالضم : الملك أيضاً ، وأتباع الأنبياء أيضاً . والأمة : الرجل الجامع للخير أيضاً ، والأمة : الأم ، والأمة : الرجل المنفرد برأيه لا يشاركه فيه أحد . بيان الإعراب : قوله : ( سمعت معاوية ) ، فيه حذف المسموع ، لأن المسموع هو الصوت لا الشخص . قال الزمخشري : تقول سمعت رجلاً يقول كذا ، فتوقع الفعل على الرجل ، وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع ، أو جعلته حالاً عنه فاغناك عن ذكره ، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد أن يقال : سمعت قول فلان . قوله : ( خطيباً ) نصب على الحال من معاوية . وقال الكرماني : حال من المفعول لا من الفاعل ، لأنه أقرب . ولأن الخطبة تليق بالولاة . قلت : لا يبادر الوهم قط ههنا إلى كون حميد هو الخطيب حتى يعلل بهذين التعليلين ، ولو قال مثل ما قلنا لكان كفى . قوله : ( يقول ) جملة في محل النصب على الحال . وقوله : ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ) مقول القول ، وقوله : يقول ، أيضاً حال . وقوله : ( من ) ، موصولة يتضمن معنى الشرط ، فلذلك جزم : يرد ، و : يفقه ، لأنهما فعل الشرط والجزاء . قوله : ( إنما ) ، من أداة الحصر ، و : أنا ، مبتدأ ، و : قاسم ، خبره . وقوله : ( والله ) أيضاً مبتدأ ، ويعطي خبره ، والجملة تصح أن تكون حالاً . قوله : ( ولن تزال ) كلمة : لن ، ناصبة للنفي في الاستقبال ، وتزال من الأفعال الناقصة . وقوله : ( هذه الأمة ) اسمه : وقائمة ، خبره . قوله : ( لا يضرهم ) جملة من الفعل والمفعول ، وقوله : ( من ) فاعله ، وهي موصولة ، و : خالفهم ، جملة صلتها . فإن قلت : ما موقع هذه الجملة ، أعني قوله : لا يضرهم من خالفهم ؟ قلت : حال ، وقد علم أن المضارع المنفي ، إذا وقع حالاً يجوز فيه الواو وتركه . قوله : ( حتى ) غاية لقوله : لن تزال ، فإن قلت : حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها ، فيلزم منه أن يوم القيامة لا تكون هذه الأمة على الحق ، وهو باطل . قلت : المراد من قوله : ( على أمر الله ) هو التكاليف ، ويوم القيامة ليس زمان التكاليف ، والأحسن أن يقال : ليس المقصود منه معنى الغاية ، بل هو مذكور لتأكيد التأبيد ، نحو قوله تعالى : * ( ما دامت السماوات والأرض ) * ( هود : 107 108 ) ويقال : حتى ، للغاية على أصله ، ولكنه غاية لقوله : لا يضرهم ، لأنه أقرب . والمراد من قوله : ( حتى يأتي أمر الله ) حتى يأتي بلاء الله فيضرهم حينئذٍ ، فيكون ما بعدها مخالفاً لما قبلها ، أو يكون ذكره لتأكيد عدم المضرة ، كأنه قال : لا يضرهم أبداً . ، والمراد قوله : حتى يأتي أمر الله يوم القيامة ، والمضرة لا تمكن يوم القيامة ، فكأنه قال : لا يضرهم من خالفهم أصلاً . فإن قلت : إذا جاء الدجال مثلاً ، وقتلهم فقد ضرهم . قلت : على تفسير أمر الله ببلاء الله ظاهر لا يرد شيء ، وعلى التفسير بيوم القيامة ، يقال : ليس ذلك مضرة في الحقيقة ، إذ