العيني
44
عمدة القاري
يعني : كان يتعهدهم ويراعي الأوقات في وعظهم ، ويتحرى منها ما كان مظنة القبول ، ولا يفعله كل يوم لئلا يسأم . والخائل القائم المتعهد للحال ، ذكره الخطابي . والآن يأتي مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى . قوله : ( بالموعظة ) قال الصغاني : الوعظ والعظة والموعظة مصادر قولك : وعظته أعظه . والوعظ : هو النصح والتذكير بالعواقب ، وعطف العلم على الموعظة من باب عطف العام على الخاص ، عكس : وملائكته وجبريل . وذكره الموعظة لكونها مذكورة في الحديث ، وأما العلم فإنما ذكره استنباطاً . قوله : ( كي لا ينفروا ) : أي : لئلا يملوا عنه ويتباعدوا منه ، يقال : نفر ينفر ، من باب : ضرب يضرب ، ونفر ينفر من باب نصر ينصر نفوراً بالضم ، ونفار بالفتح ، والنفور أيضاً جمع نافر كشاهد وشهود ، ويقال : في الدابة نفار ، بكسر النون ، وهو اسم مثل الحران ، والتركيب يدل على تجافٍ وتباعد . 68 حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال أخْبَرَنا سُفْيانُ عن الأعْمَشِ عن أبي وائِلٍ عنِ ابْنِ مَسْعُودَ قال كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنا بالمَوْعِظَةِ في الأيَّامِ كَرَاهةَ السآمة عَلَيْنا . مطابقة الحديث لإحدى الترجمتين وهي قوله : ( بالموعظة ) ظاهرة ، والباب مترجم بترجمتين إحداهما : قوله : ( بالموعظة ) والأخرى : قوله : ( كي لا ينفروا ) ، فأورد فيه حديثين كل منهما يطابق واحدة منهما . بيان رجاله : وهم خسمة : الأول : محمد بن يوسف ، قال الشيخ قطب الدين في ( شرحه ) : هو محمد بن يوسف بن واقد الفريابي ، أبو عبد اللَّه الضبي ، مولاهم ، سكن قيسارية من ساحل الشام ، أدرك الأعمش وروى عنه وعن السفيانين وغيرهم ، وروى عنه أحمد بن حنبل ومحمد الذهلي ومحمد بن مسلم ابن وارة وغيرهم ، وروى عنه البخاري في مواضع كثيرة ، وروى في كتاب الصداق عن إسحاق غير منسوب عنه ، وروى بقية الجماعة عن رجل عنه . قال أحمد : كان رجلاً صالحاً . وقال النسائي وأبو حاتم : ثقة . وقال البخاري : كان من أفضل أهل زمانه ، مات في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين . وقال الكرماني : هو محمد بن يوسف أبو أحمد البيكندي ، وهذا وهم ، لأن البخاري حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد به ، إلاَّ الفريابي ، وإن كان يروي أيضاً عن البيكندي . فافهم . الثاني : سفيان الثوري : فإن قلت : محمد بن الفريابي يروي عن سفيان بن عيينة أيضاً كما ذكرنا ، فما المرجح ههنا لسفيان الثوري ؟ قلت : الفريابي ، وإن كان يروي عن السفيانين ، ولكنه حيث يطلق لا يريد به ، إلاَّ الثوري . الثالث : سليمان بن مهران الأعمش . الرابع : أبو واثل ، شقيق بن سلمة الكوفي . الخامس : عبد اللَّه بن مسعود ، رضي الله عنه . بيان الأنساب : الفريابي ، بكسر الفاء وسكون الراء بعدها الياء آخر الحروف وبعد الألف باء موحدة نسبة إلى فرياب ، اسم مدينة من نواحي بلخ . قال الصغاني : فرياب مثل جربال ، ويقال : فيرياب مثل : كيمياء ، ويقال : فارياب ، مثل : قاصعاء ، وأما : فاراب ، فهي ناحية وراء نهر سيحون في تخوم بلاد الترك ، وفراب مثل سحاب قرية في سفح جبل على ثمانية فراسخ من سمرقند ، وفراب مثل : كفار ، قرية من قرى أصبهان . الضبي ، بفتح الضاد المعجمة وتشديد الباء الموحدة : نسبة إلى ضبة بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر ، وفي قريش أيضاً : ضبة بن الحارث بن فهر ، ذكره ابن حبيب . وفي هذيل أيضاً : ضبة بن عمرو ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل . البيكندي ، بكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف الساكنة وفتح الكاف وسكون النون بعدها الدال المهملة : نسبة إلى بيكند ، قرية من قرى بخارى . بيان لطائف اسناده : منها : أن فيه التحديث والعنعنة . ومنها : أن رواته كوفيون ما خلا الفريابي . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي . فإن قلت : الأعمش مدلس وقد عنعن هنا ، وقد روى مسلم من طريق علي بن مسهر عن الأعمش عن شقيق عن عبد اللَّه ، فذكر الحديث : قال علي بن مسهر قال الأعمش : وحدثني عمرو بن مرة عن شقيق عن عبد اللَّه مثله ، فقد يوهم هذا أن الأعمش دلسه ، أولاً عن شقيق ، ثم سمى الواسطة بينهما . قلت : صرح أحمد في رواية هذا الحديث بسماع الأعمش عن شقيق ، فقال : سمعت شقيقاً ، وهو أبو وائل ، وكذا صرح الأعمش بالتحديث عند البخاري في الدعوات من رواية حفص بن غياث عنه ، قال : حدثني شقيق ، وزاد في أوله : إنهم كانوا ينتظرون عبد اللَّه بن مسعود ليخرج إليهم فيذكرهم ، وإنه لما خرج قال : أما إني أخبر بمكانكم ، ولكنه يمنعني من الخروج إليكم . . . فذكر الحديث .