العيني
43
عمدة القاري
غير ملاحظة الامتناع . وفيه من الفقه أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشدة ، ويتحمل الأذى ، ويحتسب رجاء ثواب الله تعالى ، ويباح له أن يسكت إذا خاف الأذى كما قال أبو هريرة ، رضي الله عنه : لو حدثتكم بكل ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطع هذا البلعوم ، وعنه : لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر . وقال الحسن : صدق ، وكأنه أراد ما يتعلق بالفتن مما لا يتعلق بذكره مصلحة شرعية . وقال ابنُ عَباسٍ : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حُلَماءَ فُقَهاءَ هذا التعليق رواه الخطيب في كتاب ( الفقيه والمتفقه ) بسند صحيح عن أبي بكر الحربي : ثنا أبو محمد حاجب ابن أحمد الطوسي ، ثنا عبد الرحيم بن حبيب ، ثنا الفضيل ابن عياض عن عطاء عن سعيد بن جبير عنه . ورواه ابن أبي عاصم في كتاب ( العلم ) عن المقدمي : ثنا أبو داود عن معاذ عن سماك عن عكرمة عنه ، وقد فسر ابن عباس : الرباني بأنه الحكيم الفقيه ، ووافقه ابن مسعود فيما رواه إبراهيم الحربي في غريبه عنه بإسناد صحيح ، والرباني : منسوب إلى الرب ، وأصله الربي ، فزيدت فيه الألف والنون للتأكيد والمبالغة في النسبة . وقال أبو المعاني في كتابه ( المنتهى ) : في اللغة الرباني : المتأله العارف بالله تعالى ، وربيت القوم سستهم أي : كنت فوقهم . وقال أبو نصر : هو من الربوبية ، وعن ابن الأعرابي لا يقال للعالم رباني حتى يكون عالماً معلماً . ويقال : هو العالي الدرجة في العلم ، وقال الإسماعيلي : الرباني منسوب إلى الرب كأنه الذي يقصد ما أمره الرب ، وفي كتاب ( الفقيه ) للخطيب عن مجاهد : الربانيون الفقهاء ، وهم فوق الأحبار . وقال نفطويه : قال أحمد بن يحيى : إنما قيل للعلماء ربانيون لأنهم يربون العلم ، أي : يقومون به . وفي كتاب ( الفقه ) عنه إذا كان الرجل عالماً عاملاً معلماً قيل له : هذا رباني . فإن خرم خصلة منها لم يقل له رباني . وعند الطبري عن ابن زيد : الربيون الأتباع ، والربانيون الولاة ، والربيون الرعية . وعن الأزهري : هم أرباب العلم الذين يعلمون ما يعلمون . وقال أبو عبيد : سمعت رجلاً عالماً بالكتب يقول : الربانيون العلماء بالحلال والحرام . وفي ( الجامع ) للقزاز : الربي ، والجمع : ربيون : هم العباد الذين يصحبون الأنبياء ، عليهم السلام ، ويصبرون معهم ، وهم الربانيون ، نسبوا إلى عبادة الرب ، سبحانه وتعالى . وقيل : هم العلماء الصبر . وقيل : ليس ربيون بلغة العرب ، إنما هي سريانية أو عبرانية . وحكي عن بعض اللغويين أن العرب لا تعرف الرباني ، وقال : إنما فسره الفقهاء . قال القزاز : وأنا أرى أن يكون عربياً . قوله : ( حكماء ) جمع حكيم ، والحكمة صحة القول والعقد والفعل ، ويقال : الحكمة ، الفقه في الدين . وقيل : الحكمة معرفة الأشياء على ما هي عليه ، والفقهاء جمع فقيه ، والفقه : الفهم لغة ، وفي الاصطلاح : العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية ، وفي بعض النسخ : ( حلماء ) ، جمع حليم باللام ، والحلم هو الطمأنينة عند الغضب ، وفي بعضها علماء ، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام ، والظاهر أن حكماء وفقهاء تفسير للربانيين . ويُقالُ : الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ هذا حكاية البخاري عن قول بعضهم ، وهو من التربية أي : الذي يربي الناس بجزئيات العلم قبل كلياته ، أو بفروعه قبل أصوله ، أو بمقدماته قبل مقاصده . فإن قلت : هذا كله هو الترجمة ، فأين ما هذه ترجمته ؟ قلت : إما أنه أراد أن يلحق الأحاديث المناسبة إليها ، فلم يتفق له . وإما أنه للإشعار بأنه لم يثبت عنده بشرطه ما يناسبها ، وإما أنه اكتفى بما ذكره تعليقاً ، لأن المقصود من الباب بيان فضيلة العلم ، ويعلم ذلك من المذكور آية وحديثاً وإجماعاً سكوتياً من الصحابة ، رضي الله عنهم ، بحيث انتهى إلى حد علم الضرورة فلم يحتج إلى الزيادة ، أو لسبب آخر ، والله أعلم . 11 ( ( باب ما كانَ النبيُّ يَتَخَوَّلُهُمْ بالموْعِظَةِ والعِلْمِ كَي لاَ يَنْفِرُوا ) ) الكلام فيه على أنواع : الأول : إن التقدير : هذا باب في بيان ما كان النبي ، عليه السلام ، يتخول الصحابة ، رضي الله عنهم ، بالموعظة ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو مضاف إلى ما بعده من الجملة ، وكلمة : ما ، مصدرية تقديره : باب كون النبي عليه السلام يتخولهم . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو العلم ، والمذكور في هذا الباب هو التخول بالعلم . الثالث : قوله : يتخولهم ، بالخاء المعجمة وفي آخره اللام ، معناه : يتعهدهم ، وهو من التخول ، وهو التعهد