العيني

38

عمدة القاري

يريش ، يقال : رشت فلاناً إذا أصلحت حاله ، والعسيل ، بفتح العين المهملة وكسر السين المهملة ، مكنسة العطار الذي يجمع به العطر . بيان المعاني قوله : ( قعد على بعيره ) ، وذلك كان بمنى في يوم النحر في حجة الوداع . قوله : ( وأمسك إنسان بخطامه ) قيل : هذا الممسك كان بلالاً ، رضي الله تعالى عنه ، واستدل عليه بما رواه النسائي من طريق أم الحصين ، قالت : حججت فرأيت بلالاً يقود بخطام راحلة النبي صلى الله عليه وسلم . ويقال : كان الممسك عمرو بن خارجة ، فإنه وقع في السنن من حديثه ، قال : كنت آخذ بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم . . . فذكر الخطبة . قيل : هو أولى أن يفسر به المبهم ، لأنه أخبر عن نفسه أنه كان ممسكاً بزمام ناقته ، عليه الصلاة والسلام ، ويقال : كان الممسك هو أبا بكرة الراوي ، لما روى الإسماعيلي عن الحسين عن سفيان عن حبان عن ابن المبارك عن أبي عون بسنده إلى أبي بكرة . قال : ( خطب رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، على راحلته يوم النحر ، وأمسكت ، إما قال : بخطامها أو بزمامها ) . قوله : ( أي يوم ) ، هذا ؟ ليس في رواية المستملي والأصيلي والحموي السؤال عن الشهر ، والجواب الذي قبله ولفظهما : ( أي يوم هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه ، قال : أليس بذي الحجة ؟ ) وفي رواية الكشميهني وكريمة بالسؤال عن الشهر والجواب الذي قبله ، وهي أيضاً كذلك في مسلم وغيره ، وكذا وقع في مسلم وغيره السؤال عن البلد ، فهذه ثلاثة أسئلة عن اليوم والشهر والبلد ، وهي ثابتة عند البخاري في الأضاحي من رواية أيوب ، وفي الحج أيضاً من رواية قرة ، كلاهما عن ابن سيرين . وذكر في أول حديثه : ( خطبنا رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، يوم النحر ، فقال : أتدرون أي يوم هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ) . وذكر قوله : الله ورسوله أعلم في الجواب عن الأسئلة الثلاثة ، وكذلك أورده من رواية ابن عمر ، وجاء من رواية ابن عباس ، رضي الله عنهما : ( خطبنا رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، يوم النحر ، فقال : أيها الناس ! أي يوم هذا ؟ قالوا : هذا يوم حرام . قال : فأي بلد هذا ؟ قالوا : بلد حرام . قال : فأي شهر هذا ؟ قالوا : شهر حرام ) . فإن قلت : حديث ابن عباس يشعر بأنهم أجابوه بقولهم : هذا يوم حرام وبلد حرام وشهر حرام ، وهو مخالف للمذكور هنا من حديث أبي بكرة ، ومن حديث ابن عمر أيضاً أنهم سكتوا حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه ، الجواب أنه يحتمل أن تكون الخطبة متعددة ، فأجاب في الثانية من علم في الأولى ، ولم يجب من لم يعلم فنقل كل من الرواة ما سمع ، ويقال : إن حديث أبي بكرة من رواية مسدد وقع ناقصاً مخروماً لنسيان وقع من بعض الرواة . قوله : ( فإن دماءكم ) ، فيه حذف تقديره : سفك دمائكم ، وكذا في : أموالكم ، التقدير : أخذ أموالكم ، وكذا في : أعراضكم ، التقدير : سلب أعراضكم . قوله : ( ليبلغ الشاهد ) ، أي الحاضر في المجلس الغائب عنه ، والمراد منه إما تبليغ القول المذكور ، أو تبليغ جميع الأحكام . فافهم . بيان استنباط الأحكام : هو على وجوه . الأول : فيه أن العالم يجب عليه تبليغ العلم لمن لم يبلغه ، وتبيينه لمن لا يفهمه ، وهو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على العلماء . * ( ليبيننه للناس ولا يكتمونه ) * ( آل عمران : 187 ) . الثاني : فيه أنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم من ليس لمن تقدمه ، وأن ذلك يكون في الأقل ، لأن : رب ، موضوعة للتقليل ، و : عسى ، موضعها الإطماع ، وليست لتحقيق الشيء . الثالث : فيه أن حامل الحديث يجوز أن يؤخذ عنه ، وإن كان جاهلاً بمعناه ، وهو مأخوذ من تبليغه ، محسوب في زمرة أهل العلم . الرابع : فيه أن ما كان حراماً يجب على العالم أن يؤكد حرمته ، ويغلظ عليه بأبلغ ما يوجد ، كما فعل النبي ، عليه الصلاة والسلام ، في المتشابهات . الخامس : فيه جواز القعود على ظهر الدواب إذا احتيج إلى ذلك ، لا للأشر والبطر ، والنهي في قوله ، عليه السلام : ( لا تتخذوا ظهور الدواب مجالس ) ، مخصوص بغير الحاجة . السادس : فيه الخطبة على موضع عال ليكون أبلغ في سماعها للناس ، ورؤيتهم إياه . السابع : فيه مساواة المال والدم والعرض في الحرمة . الثامن : فيه تشبيه الدماء والأموال والأعراض باليوم وبالشهر وبالبلد في الحرمة دليل على استحباب ضرب الأمثال ، وإلحاق النظير بالنظير قياساً ، قاله النووي . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : لِمَ شبه الدماء والأموال والأعراض في الحرمة باليوم والشهر والبلد في غير هذه الرواية ؟ أجيب : بأنهم كانوا لا يرون استباحة هذه الأشياء وانتهاك حرمتها بحال ، وكان تحريمها ثابتاً في نفوسهم مقرراً عندهم بخلاف الدماء والأموال والأعراض ، فإنهم في الجاهلية كانوا يستبيحونها . وقال بعضهم : أعلمهم الشارع بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم ، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه لأن الخطاب إنما وقع