العيني

39

عمدة القاري

بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع . قلت : لا نسلم أن الشارع قال : حرمة هذه الأشياء أعظم من حرمة تلك الأشياء حتى يرد السؤال بكون المشبه به أخفض رتبة من المشبه ، وإنما الشارع شبه حرمة تلك بحرمة هذه ، لما ذكرنا من وجه التشبيه من غير تعرض إلى غير ذلك . ومنها ما قيل : لمَ سأل ، عليه السلام ، عن هذه الأشياء الثلاثة وسكت بعد كل سؤال منها ؟ أجيب : لاستحضار فهومهم وليقبلوا عليه بكليتهم وليعلموا عظمة ما يخبرهم عنه ، ولذلك قال بعد هذا : ( فإن دماكم ) . . . إلى آخره ، مبالغة في تحريم الأشياء المذكورة . ومنها ما قيل : لِمَ كان جوابهم عن كل سؤال بقولهم : الله ورسوله أعلم ، على ما ثبت في الرواية الأخرى للبخاري وغيره ؟ أجيب : إنما كان ذلك لحسن أدبهم . لأنهم كانوا يعلمون أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب ، وأنه ليس مراد مطلق الإخبار بما يعرفونه ، ولهذا قال في رواية الباب : ( حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه ) وفيه إشارة إلى تفويض الأمور بالكلية إلى الشارع ، والانعزال عما ألفوه من المتعارف المشهور . ومنها ما قيل : لم أمسك الممسك بخطام ناقته ؟ أجيب : لصونه البعير عن الاضطراب والتشويش على راكبه . 10 ( ( بابٌ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ لِقولِهِ تعالى * ( فاعلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ الله ) * ( محمد : 19 ) فبَدَأ بالعلْمِ ) ) أي : هذا باب في بيان أن العلم قبل القول والعمل ، أراد أن الشيء يعلم أولاً ، ثم يقال ويعمل به ، فالعلم مقدم عليهما بالذات ، وكذا مقدم عليهما بالشرف ، لأنه عمل القلب ، وهو أشرف أعضاء البدن . وقال ابن بطال : العمل لا يكون إلاَّ مقصوداً ، يعني متقدماً ، وذلك المعنى هو علم ما وعد الله عليه بالثواب . وقال ابن المنير ، أراد أن العلم شرط في صحة القول والعمل ، فلا يعتبران إلاَّ به ، فهو متقدم عليهما لأنه مصحح النية المصححة للعمل ، فنبه البخاري على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم : إن العلم لا يفيد إلاَّ بالعمل تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه . قوله : ( فبدأ بالعلم ) أي : بدأ الله تعالى بالعلم أولاً حيث قال : * ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) * ( محمد : 19 ) ثم قال : * ( واستغفر لذنبك ) * ( محمد : 19 ) الاستغفار إشارة إلى القول والعمل ؛ والخطاب ، وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهو متناول لأمته . وقال الزجاج : هو متعلق بمحذوف ؛ المعنى ، قد بينا وقلنا ما يدل على أن الله تعالى واحد ، فاعلم ذلك . والنبي ، عليه الصلاة والسلام ، قد علم ذلك ، ولكنه خطاب يدخل الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، كقوله تعالى : * ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ) * ( الطلاق : 1 ) ، والمعنى : من علم فليقم على ذلك العلم ، كقوله تعالى 1764 ; * ( اهدنا الصراط المستقيم ) * ( الفاتحة : 6 ) أي ثبتنا . وقيل : يتعلق بما قبله ، والمعنى : إذا جاءتهم الساعة فاعلم أن لا ملك ولا حكم لأحد إلاّ لله ، ويبطل ما عداه . وسئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم ، فقال : ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به فقال : * ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ) * ( محمد : 19 ) فأمره بالعمل بعد العلم ، ويعلم من الآية أن التوحيد مما يجب العلم به ، ولا يجوز فيه تقليد . وقال الأكثرون : يكفي الاعتقاد الجازم ، وإن لم يعرف الأدلة ، وهذا هو المعروف من سيرة السلف . ومذهب أكثر المتكلمين أن إيمان المقلد في أصول الدين غير صحيح . وقال محيي السنة : يجب على كل مكلف معرفة علم الأصول ، ولا يسع فيه التقليد لظهور دلائله . فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : من حيث إن المذكور في الباب الأول هو حال المبلغ والسامع ، والمبلغ ، بكسر اللام ، والمبلغ ، بفتحها ، لا يقدران على التعليم والتعلم إلا بالعلم ، وهذا الباب في بيان العلم قبل القول والعمل . وأنّ العُلَماءَ هُمْ ورَثَةُ الأنْبِياءِ ورَّثُوا العِلْمَ ، مَن أخَذَهُ أخَذَ بِحَظِّ وافِرٍ . يجوز في : أن ، الكسر والفتح ، أما الفتح فبالعطف على ما قبله ، وأما الكسر فعلى سبيل الحكاية ، أو على تقدير باب هذه الجملة ، وهذا من حديث مطول أخرجه الترمذي عن محمود بن خداش عن محمد بن يزيد الواسطي عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن قيس بن كثير عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، أن النبي ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، قال : ( من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ، وأن الملائكة لتضع أجنحتها رضي لطالب العلم ، وأن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الماء . وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وأن العلماء ورثة الأنبياء ، وأن الأنبياء ، عليهم السلام ، لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) . ثم قال : كذا حدثنا محمود ، وإنما يروى هذا