العيني

28

عمدة القاري

( وأمره ) عطف على : بعث . قوله : ( أن يدفعه ) ، أي : بأن يدفعه ، و : أن ، مصدرية أي : بدفعه . قوله : ( فدفعه ) ، معطوف على مقدر : أي : فذهب إلى عظيم البحرين فدفعه إليه ، ثم بعثه العظيم إلى كسرى فدفعه إليه ، ومثل هذه الفاء تسمى : فاء : الفصيحة . قوله : ( مزقه ) ، جواب : لما . قوله : ( إن ابن المسيب ) ، في محل النصب على أنه أحد مفعولي : حسبت . قوله : ( قال ) ، جملة في محل النصب على أنها مفعول ثان : لحسبت . قوله : ( فدعا ) معطوف على محذوف تقديره : لما مزقه ، وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك غضب فدعا ، والمحذوف هو مقول القول . قوله : ( أن يمزقوا ) ، أي : بأن يمزقوا ، و : أن ، مصدرية ، أي : بالتمزيق . قوله : ( كل ممزق ) ، كلام إضافي منصوب على النيابة عن المصدر ، كما في قوله . * يظنان كل الظن أن لا تلاقيا * والممزق ، بفتح الزاي ، مصدر على وزن اسم المفعول بمعنى : التمزيق . بيان المعاني : قوله : ( رجلاً ) ، هو عبد اللَّه بن حذافة السهمي ، وقد سماه البخاري في المغازي ، وحذافة بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة وبعد الألف فاء ، ابن قيس بن عدي بن سعد ، بفتح السين وسكون العين ، ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ، أخو خنيس بن حذافة ، زوج حفصة . أصابته جراحة بأحد ، فمات منها ، وخلف عليها بعده رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعبد اللَّه هو الذي قال : ( يا رسول الله من أبي ؟ قال : أبوك حذافة ، أسلم قديماً وكان من المهاجرين الأولين ، وكانت فيه دعابة ) . وقيل : إنه شهد بدراً ، ولم يذكره الزهري ولا موسى بن عقبة ، ولا ابن إسحاق في البدريين ، وأسره الروم في زمن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فأرادوه على الكفر . وله في ذلك قصة طويلة ، وآخرها : أنه قال له ملكهم : قبِّل رأسي أطلقك . قال : لاَ ، قال له : وأطلق من معك من أسرى المسلمين ، فقبل رأسه ، فأطلق معه ثمانين أسيراً من المسلمين . فكان الصحابة يقولون له : قبَّلت رأس علج . فيقول : اطلق الله بتلك القبلة ثمانين أسيراً من المسلمين . توفي عبد اللَّه في خلافة عثمان ، رضي الله عنه . قوله : ( عظيم البحرين ) هو المنذر بن ساوي ، بالسين المهملة وفتح الواو ، والبحرين بلد بين البصرة وعمان ، هكذا يقال ، بالياء ، وفي ( العباب ) : قال الحذاق : يقال هذه البحران ، وانتهينا إلى البحرين . وقال الأزهري : إنما ثنوا البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء ، وقرى هَجَر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ ، قال : وقدرت البحيرة بثلاثة أميال في مثلها ، ولا يغيض ماؤها راكد زعاق ، والنسبة إلى البحرين : بحراني . وقال أبو محمد اليزيدي : سألني المهدي ، وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين ، وإلى حصنين : لم قالوا : بحراني وحصني ؟ فقال الكسائي : كرهوا أن يقولوا : حصناني ، لاجتماع النونين . وقلت : إنما كرهوا أن يقولوا : بحري ، فيشبه النسبة إلى البحر . قلت : قد صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل البحرين ، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي ، وبعث أبا عبيدة فأتى بجزيتها ، وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي ، ملك البحرين ، فصدق واسلم . فإن قلت : لِمَ لَمْ يقل : إلى ملك البحرين ؟ وقال : عظيم البحرين ؟ قلت : لأنه لا ملك ولا سلطنة للكفار ، إذ الكل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن ولاه . قوله : ( إلى كسرى ) ، بفتح الكاف وكسرها ، وقال ابن الجواليقي : الكسر أفصح ، وهو فارسي معرب : خسرو ، وقال الجوهري : وجمعه أكاسرة ، على غير قياس ، لأن قياسه : كسرون ، بفتح الراء . وقد ذكرنا في قصة هرقل أن : كسرى ، لقب لكل من ملك الفرس ، كما أن : قيصر ، لقبٌ لكل من ملك الروم . والذي مزق الكتاب من الأكاسرة هو برويز بن هرمز بن أنوشروان ، ولما مزق الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مزق ملكه ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات كسرى فلا كسرى بعده ) . قال الواقدي : فسلط على كسرى ابنه شرويه وقتله سنة سبع ، فتمزق ملكه كل ممزق ، وزال من جميع الأرض واضمحل بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أنو شروان هو الذي ملك النعمان بن المنذر على العرب ، وهو الذي قصده سيف بن ذي يزن يستنصره على الحبشة ، فبعث معه قائداً من قواده ، فنفوا السودان . وكان ملكه سبعاً وأربعين سنة وسبعة أشهر . وقال ابن سعد : لما مزق كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث إلى باذان ، عامله في اليمن ، أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتياني بخبره ، فبعث باذان قهرمانه ورجلاً آخر ، وكتب معهما كتاباً ، فقدما المدينة فدفعا كتاب باذان إلى النبي ، عليه الصلاة والسلام ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترعد ، وقال لهما : ( أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه كسرى في هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها ) ، وهي ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع ، وأن الله سلط عليه ابنه شرويه فقتله . وقال ابن هشام : لما مات وهرز الذي كان باليمن على جيش الفرس ، أمر كسرى ابنه ، يعني ابن وهرز ، ثم عزله وولى باذان ، فلم يزل عليها حتى بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم . قال : فبلغني عن الزهري أنه قال : كتب كسرى إلى