العيني

29

عمدة القاري

باذان : إنه بلغني أن رجلاً من قريش يزعم أنه نبي ، فسر إليه فاستتبه ، فإن تاب وإلاَّ فابعث إلي برأسه . فبعث باذان بكتابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله وعدني بقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا ) . فلما أتى باذانَ الكتابُ قال : إن كان نبياً سيكون ما قال . فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قال الزهري : فلما بلغ باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس . قوله : ( فحسبت ) القائل هو : ابن شهاب الزهري ، راوي الحديث . أي قال الزهري . ظننت أن سعيد بن المسيب قال . . . إلى آخره . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه جواز الكتابة بالعلم إلى البلدان . الثاني : فيه جواز الدعاء على الكفار إذا أساؤوا الأدب وأهانوا الدين . الثالث : فيه أن الرجل الواحد يجزئ في حمل كتاب الحاكم إلى الحاكم ، وليس من شرطه أن يحمله شاهدان كما تصنع القضاة اليوم ، قاله ابن بطال . قلت : إنما حملوا على شاهدين لما دخل على الناس من الفساد ، فاحتيط لتحصين الدماء والفروج والأموال بشاهدين . 65 حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أُبو الحَسَنِ أخْبَرَنا عبدُ اللَّهِ قال : أخْبَرَنا شُعْبَةُ عن قَتادَةَ عن أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قال : كَتَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كِتَاباً أو أَرادَ أنْ يَكْتُبَ فَقِيلَ لَهُ : إنِّهمْ لاَ يقْرَأُنَ كِتاباً إلاَّ مَخْتُوماً ، فاتَّخَذَ خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ : مُحَمَّدٌ رسولُ الله ، كأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِهِ في يَدِهِ ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ : مَنْ قال : نَقْشُهُ مُحَمدٌ رسولُ الله ؟ قال أنَسٌ . . هذا يطابق الجزء الأخير للترجمة ، وهو ظاهر . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : أبو الحسن محمد بن مقاتل ، بصيغة الفاعل ، من المقاتلة بالقاف وبالمثناة من فوق ، المروزي ، شيخ البخاري ، انفرد به عن الأئمة الخمسة ، روى عن ابن المبارك ووكيع ، وروى عنه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن عبد الرحمان النسائي . قال الخطيب : كان ثقة ، وقال أبو حاتم : صدوق ، توفي آخر سنة ست وعشرين ومائتين . الثاني : عبد اللَّه بن المبارك ، وقد تقدم ذكره . الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : قتادة بن دعامة السدوسي . الخامس : أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقد تقدموا . بيان لطائف إسناده : ومنها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة . ومنها : أن رواته ما بين مروزي وواسطي وبصري ، ومنها : أن رواته أئمة أجلاء . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن علي بن الجعد ، وفي اللباس عن آدم ، وفي الأحكام عن بندار عن غندر ، وأخرجه مسلم في اللباس عن أبي موسى وبندار ، كلاهما عن غندر ، وأخرجه النسائي في الزينة ، وفي السير ، وفي العلم ، وفي التفسير عن حميد بن مسعدة عن بشر بن المفضل ، خمستهم عنه به . بيان اللغات : قوله : ( مختوما ) ، من ختمت الشيء ختماً فهو مختوم ، ومختم ، شدد للمبالغة ، وختم الله له بالخير ، وختمت القرآن : بلغت آخره ، واختتمت الشيء نقيض افتتحت . قوله : ( خاتما ) فيه لغات ، المشهور منها أربعة : فتح التاء ، وكسرها ، وخاتام ، وخيتام ، والجمع : الخواتم . وتختمت إذا لبسته ، والختام الذي يختم به . قوله : ( نقشه ) ، من نقشت الشيء فهو منقوش ، وقال ابن دريد : النقش نقشك الشيء بلونين ، أو ألوان كائناً ما كان ، والنقاش الذي ينقشه والنقاشة حرفته . بيان الإعراب : قوله : ( كتاباً ) مفعول كتب ، وهو مفعول به لأن الكتاب هنا اسم غير مصدر . قوله : ( أن يكتب ) ، جملة في محل النصب لأنها مفعول : أراد ، وأن ، مصدرية أي : الكتابة . قوله : ( إلاَّ مختوماً ) ، نصب على الاستثناء لأنه من كلام غير موجب . قوله : ( خاتماً ) مفعول اتخذ ، وكلمة : من ، في : من فضة ، بيانية . قوله : ( نقشه ) كلام إضافي مرفوع بالابتداء . وقوله : ( محمد رسول الله ) جملة اسمية من المبتدأ والخبر ، خبر المبتدأ . فإن قلت : الجملة إذا وقعت خبراً لا بد لها من عائد . قلت : إذا كان الخبر عين المبتدأ لا حاجة إليه . قال الكرماني : وهي وإن كانت جملة ، ولكنها في تقدير المفرد ، تقديره : نقشه هذه الكلمات . قلت : هذه الكلمات ، أيضاً جملة ، لأنها مبتدأ وخبر . قوله : ( كأني ) أصل : كأن ، للتشبيه لكنها ههنا للتحقيق ، ذكره الكوفيون والزجاج ، ومع هذا لا يخلو عن معنى التشبيه . قوله : ( أنظر إلى بياضه ) جملة في محل الرفع على أنها خبر : كأن . قوله : ( في يده ) حال إما من البياض ، أو من المضاف إليه ، أي كأني انظر إلى بياض الخاتم حال كون الخاتم في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : الخاتم ليس في اليد ، بل في