العيني

181

عمدة القاري

ِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ : إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ : أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ ، ولوْلاَ آيَتَانِ في كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُ حَدِيثا ، ثُمَّ يَتْلُو : * ( إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والهُدَى إلَى قَوْلهِ الرَّحْيمُ ) * ( البقرة : 159 و 174 ) إنَّ إخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرينَ كانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأَسْوَاقِ ، وإنَّ إخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أمْوَالِهِمْ وإنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يَلْزِمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بشبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ ما لا يَحْضُرُونَ ويَحْفَظُ ما لا يَحْفَظُونَ . . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : ( ويحفظ ما لا يحفظون ) . وقوله : ( أكثر أبو هريرة ) لأن الإكثار لا يكون إلاَّ عن حفظ . بيان رجاله : وهم خمسة قد ذكروا كلهم ، وابن شهاب : هو محمد بن مسلم الزهري ، والأعرج : هو عبد الرحمن بن هرمز . وقالوا : يجوز ذكر الراوي بلقبه أو صفته التي يكرهها إذا كان المراد تعريفه لا نقصه ، كما يجوز جرحهم للحاجة . بيان لطائف إسناده : ومنها : أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة . ومنها : أن رواته كلهم مدنيون . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في المزارعة عن إبراهيم ، وفي الاعتصام عن علي عن سفيان . وأخرجه مسلم في الفضائل عن قتيبة وأبي بكر وزهير عن سفيان ، وعن عبد الله بن جعفر عن يحيى عن مالك ، وعن عبد الرزاق عن معمر ، كلهم عن الزهري وله طرق من غير رواية الأعرج . وأخرجه النسائي في العلم عن محمد بن منصور عن سفيان به ، وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن إسحاق بن عيسى عن مالك به . وأخرجه ابن ماجة في السنة عن أبي مروان العثماني عن إبراهيم بن سعد به مختصرا . بيان اللغات والإعراب : قوله : ( إن الناس ) مقول : قال . وقوله : ( يقولون ) جملة في محل الرفع خبر : إن ، قوله : ( أكثر أبو هريرة ) جملة من الفعل والفاعل مقول يقولون . قوله : ( ولولا آيتان ) مقول . قال ، لا مقول : يقولون . وحذف اللام من جواب لولا وهو جائز ، والأصل : لولا آيتان موجودتان في كتاب الله لما حدثت . قوله : ( حديثا ) نصب على المفعولية . قوله : ( ثم يتلو ) مقول : الأعرج ، وفي بعض النسخ : ( ثم تلا ) . قوله : ( إن إخواننا ) استئناف كالتعليل للإكثار ، كأنّ سائلاً سأل : لم كان أبو هريرة مكثرا دون غيره من الصحابة ؟ فأجاب بقوله : ( لأن إخواننا ) كذا وكذا ، فلأجل ذلك ترك العاطف بين الجملتين . قوله : ( من المهاجرين ) كلمة : من ، بيانية . قوله : ( كان يشغلهم الصفق ) جملة في محل الرفع لأنها خبر : إن . وقوله : ( يشغلهم ) من باب : شغل يشغل كفتح يفتح بفتح ، عين الفعل فيهما من الشغل ، ويقال بضم حرف المضارعة من الإشغال ، وهو غريب . وفي ( العباب ) يقال شغلته أشغله . وقال ابن دريد : لا يقال أشغلته . وقال ابن فارس : لا يكادون يقولون : أشغلت ، وهو جائز . وقال الليث : اشتغلت أنا ، والفعل اللازم : اشتغل . وقال أبو حاتم وابن دريد : لا يقال : اشتغل . وقال ابن فارس في ( المقاييس ) : جاء عنهم : اشتغل فلان بالشيء وهو مشتغل . وقوله : ( الصفق ) بالرفع فاعل : يشغل ، وهو بفتح الصاد كناية عن التبايع . يقال : صفقت له بالبيع صفقا ، أي : ضربت يدي على يده للعقد . قال الهروي : يقال : أصفق القوم على الأمر ، وصفقوا بالبيع والبيعة . وقال غيره : أصله من تصفيق الأيدي بعضها على بعض من المتابعين ، أي : عاقدي البيعة عند عقدهم ، والسوق يؤنث ويذكر ، سميت به لقيام الناس فيها على سوقهم . قوله : ( بشبع بطنه ) بالباء الموحدة في رواية الأصيلي ، وفي رواية غيره : ( لشبع بطنه ) باللام ، وهو الثابت في غير البخاري أيضا ، وكلاهما للتعليل ، أي : لأجل شبع بطنه ، وروي : ليشبع بطنه ، بلام كي ، ويشبع ، يصيغة المضارع المنصوب ، والشبع ، بكسر الشين وفتح الباء الموحدة . وفي ( العباب ) : الشبع مثال عنب ، والشبع بالفتح ، وهذه عن ابن عباد ، نقيض الجوع . يقال : شبعت خبزا ولحما ، ومن خبز ولحم شبعاً ، وهو من مصادر الطبائع . وقال ابن دريد : الشبع والشبع بإسكان الباء وتحريكها . وقال غيره : الشبع بالإسكان اسم ما أشبعك من شيء . وفي الحديث : ( آجر موسى صلى الله عليه وسلم نفسه من شعيب صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه وعفة فرجه ) . قوله : ( ما لا يحضرون ) ، في محل النصب على أنه مفعول : ( يحضر ) وكذلك قوله ( ما لا يحفظون ) مفعول ( يحفظ ) .