العيني

182

عمدة القاري

بيان المعاني : قوله : ( أكثر أبو هريرة ) أي من رواية الحديث . وهو من باب حكاية كلام الناس أو وضع المظهر موضع المضمر ، إذ حق الظاهر أن يقول : أكثرت ، وفي رواية البخاري في البيوع من طريق شعيب عن الزهري : ( أكثر أبو هريرة من الحديث ) . وفي روايته وفي المزارعة من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري هنا ، زيادة وهي : ( ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه ؟ ) وهذه الزيادة تدلك على النكتة في ذكر أبي هريرة المهاجرين والأنصار . قوله : ( لولا آيتان ) المراد من الآيتين * ( إن الذين يكتمون ) * ( البقرة : 159 و 174 ) إلى آخر الآيتين ، والمعنى : لولا أن الله تعالى ذم الكاتمين للعلم لما حدثتكم أصلاً ، لكن لما كان الكتمان حراما وجب الإظهار والتبليغ ، فلهذا حصل مني الإكثار لكثرة ما عندي منه . ثم ذكر سبب الكثرة بقوله : ( إن إخواننا . . . ) إلى آخره . قوله : ( ثم يتلو ) أي : قال الأعرج : ثم يتلو أبو هريرة ، وذكر بلفظ المضارع استحضارا لصورة التلاوة كأنه فيها . قوله : ( إن إخواننا ) : الإخوان جمع أخ ، هذا يدل على أن أصل أخ : أخو ، بالتحريك ، ويجمع أيضا على : آخاء ، مثل : آباء . والذاهب منه واو . وعلى : إخوة بالضم عن الفراء ، وفيه سؤالان : الأول : كان حق الظاهر أن يقول : إن إخوانه ، ليرجع الضمير إلى أبي هريرة . وأجيب : بأنه عدل عنه لغرض الالتفات ، وهو فن من محاسن الكلام . الثاني : قال : إخواننا ، ولم يقل : إخواني . وأجيب : لأنه قصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة ، والمراد الإخوان في الإسلام لا في النسب ، والمراد من : ( المهاجرين ) ، الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، ومن ( الأنصار ) أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، ونصروه بأنفسهم وأموالهم . قوله : ( العمل في أموالهم ) يريد به : الزراعة والعمل في الغيطان . وفي رواية مسلم : ( كان يشغلهم عمل أرضهم ) . وفي رواية ابن سعد : ( كان يشغلهم القيام على أراضيهم ) . قوله : ( وإن أبا هريرة ) فيه التفات أيضا ، لأن حق الظاهر أن يقول : وإني . قوله : ( بشبع بطنه ) يعني أنه كان يلازم قانعا بالقوت لا مشتغلاً بالتجارة ولا بالزارعة ، وفي رواية البخاري في البيوع : ( كنت امرأً مسكينا من مساكين الصفة ) . قوله : ( ويحضر ) بالرفع عطفا على قوله : ( يلزم ) ، ويجوز بالنصب أيضا على رواية من روى : ليشبع بطنه ، بلام كي ، و : يشبع ، بصورة المضارع إن صحت هذه الرواية . قوله : ( ما لا يحضرون ) أي : من أحوال الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، و ( يحفظ ما لا يحفظون ) من أقواله ، وهذا إشارة إلى المسموعات وذاك إشارة إلى المشاهدات . لا يقال : هذا الحديث يعارضه ما تقدم من حديث أبي هريرة : ( ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب ) ، لأنا نقول : إن عبد الله كان أكثر تحملاً ، وأبو هريرة كان أكثر رواية . فإن قلت : كيف يكون الأكثر تحملاً وهو داخل تحت عموم المهاجرين ؟ قلت : هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها ، وأبو هريرة أكثر من جهة مطلق السماع . بيان استنباط الأحكام : فيه : حفظ العلم والمواظبة على طلبه . وفيه : فضيلة أبي هريرة وفضل التقلل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال . وفيه : جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر إلى ذلك وأمن الإعجاب . وفيه : جواز إكثار الأحاديث وجواز التجارة والعمل وجواز الاقتصار على الشبع ، وقد تكون مندوبات ، وقد تكون واجبات بحسب الأشخاص والأوقات . 119 حدّثنا أحْمَدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ أبُو مُصْعَبٍ قالَ : حدّثنا مَحَمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ دِينَارٍ عَنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ : قُلْتُ : يا رسولَ اللَّهِ ! إنِّي أسْمعُ مِنْكَ حَدِيثا كَثِيرا أنُسَاهُ ، قالَ : ( ابْسُطْ رِدَاءَكَ ) فَبَسَطْتُهُ ، قالَ : فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قالَ : ( ضمَّهُ ) ، فَضَممْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئا بَعْدَهُ . مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الالتزام ، والحديث الماضي بطريق المطابقة ، وأحاديث الباب ثلاثة كلها عن أبي هريرة ، والحديث الثالث يدل على أنه لم يحدث بجميع محفوظه . ودلالته على الترجمة بالمطابقة . بيان رجاله : وهم خمسة . الأول : أحمد بن أبي بكر ، واسم أبي بكر : القاسم ، وقيل : زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف ، أبو مصعب الزهري العوفي ، قاضي المدينة وعالمها ، وهو أحد من حمل ( الموطأ ) عن مالك ، روى عنه الستة ، لكن النسائي بواسطة . وأخرج له مسلم حديث أبي هريرة : ( السفر قطعة من العذاب ) فقط ، قال أبو حاتم وأبو زرعة : صدوق ، مات سنة