العيني

113

عمدة القاري

ووكاءها ) دليل بين على إبطال قول من ادعى علم الغيب في الأشياء كلها من الكهنة والمنجمين وغيرهم ، لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، لو علم أنه يوصل إلى علم ذلك من هذه الوجوه لم يكن في قوله في معرفة علاماتها وجه . العاشر : إن صاحب اللقطة إذا جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت أنه صاحبها ، فإن وجدها قد أكلها الملتقط بعد الحول ، وأراد أن يضمنه كان له ذلك ، وإن كان قد تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن يترك على أجرها ، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر ، رضي الله عنهم ، وهو قول طاوس وعكرمة وأبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري والحسن بن حي رحمهم الله . الحادي عشر : احتجت الشافعية بقوله : ( استمتع بها ) ، وبما جاء في بعض طرق الحديث : ( فإن جاء من يعرفها وإلاَّ فاخلطها بمالك ) . وفي بعضها : ( عرفها سنة ثم أعرف وكاءها وعفاصها ، ثم استنفق بها ، فإن جاء ربها فأدها إليه ) . وبما جاء في مسلم : ( فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها وكاءها فاعطها إياه ، وإلاَّ فهي لك ) . وفي بعض طرقه : ( ثم عرفها سنة ، فإن لم تعرف فاستنفقها ، ولتكن وديعة عندك . فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه ) ، على أن من عرفها سنة ولم يظهر صاحبها كان له تملكها ، سواء كان غنياً أو فقيراً ، ثم اختلفوا : هل تدخل في ملكه باختياره أو بغير اختياره ؟ فعند الأكثرين تدخل بغير الاختيار ، وقد مر الكلام فيه عن قريب مستوفى . 92 حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ قال : حدّثنا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قال : سُئِلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عنْ أشياءَ كَرهَها ، فَلَمَّا أُكْثِرَ عليه غَضِبَ ثُمَّ قال للِنَّاسِ : ( سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ ) قال رَجُلٌ : مَنْ أبي ؟ قال : ( أبُوك حُذَافَةُ ) فَقامُ آخرُ فقال : مَنْ أبي يا رسولَ الله ! فقال : ( أبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ ) . فَلمَّا رأَى عُمَرُ ما فِي وجْهِهِ قال : رسولَ الله ! إنَّا نَتُوبُ إلَى الله عَزَّ وجَلَّ . ( الحديث 92 طرقة في : 7291 ) . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : ( فلما أكثر عليه غضب ) . بيان رجاله : هم خمسة قد ذكروا أعيانهم بهذه السلسلة في : باب فضل من علم وعلم ، وكلهم كوفيون ، وأبو أسامة حماد بن أسامة . وبريد ، بضم الباء الموحدة : ابن عبد اللَّه ، وأبو بردة ، بضم الباء الموحدة ، عامر بن أبي موسى ، وأبو موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري ههنا عن أبي كريب محمد بن العلاء ، وفي كتاب الاعتصام في : باب ما يكره من كثرة السؤال ، عن يوسف بن موسى ، وفي الفضائل عن أبي كريب وعبد اللَّه بن براد ، ثلاثتهم عن أسامة عنه به . بيان اللغات والإعراب والمعاني : قوله : ( عن أشياء ) : هو غير منصرف ، قال الخليل : إنما ترك صرفه لأن أصله : فعلاء كالشعراء جمع على غير الواحد ، فنقلوا الهمزة الأولى إلى أول الكلمة ، فقالوا : أشياء ، فوزنه : أفعاء . وقال الأخفش والفراء : هو أفعلاء كالأنبياء ، فحذفت الهمزة التي بين الياء والألف للتخفيف ، فوزنه أفعاء . وقال الكسائي : هو أفعال كأفراخ ، وإنما تركوا صرفها لكثرة استعمالهم لها ، ولأنها شبهت بفعلاء . وقال في ( العباب ) : الشيء تصغيره شيء ، وشييء بكسر الشين ، ولا تقل : شوىء ، والجمع : أشياء ، غير مصروفة . والدليل على قول الخليل أنها لا تصرف أنها تصغر على أشياء وأنها تجمع على أشاوي ، وأصلها : أشائي ، قلبت الهمزة ياء فاجتمعت ثلاث ياآت فحذفت الوسطى ، وقلبت الأخيرة ألفاً فأبدلت من الأول واو . وحكى الأصمعي أنه سمع رجلاً من فصحاء العرب يقول لخلف الأحمر : إن عندك لأشاوي مثال الصحارى ، ويجمع أيضاً على : أشايا وأشياوات ، ويدخل على قول الكسائي أن لا تصرف : أبناء وأسماء ، وعلى قول الأخفش أن لا تجمع على : أشاوى . قوله : ( كرهها ) ، جملة في محل الجر لأنها صفة الأشياء ، وإنما كره لأنه ربما كان سبباً لتحريم شيء على المسلمين فتلحقهم به المشقة ، أو ربما كان في الجواب ما يكره السائل ويسوؤه ، أو ربما أحفوه ، عليه الصلاة والسلام ، والحقوه المشقة والأذى ، فيكون ذلك سبباً لهلاكهم ، وهذا في الأشياء التي لا ضرورة ولا حاجة إليها أو لا يتعلق بها تكليف ونحوه . وفي غير ذلك لا تتصور الكراهة لأن السؤال حينئذٍ إما واجب أو مندوب لقوله تعالى : * ( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) * ( النحل : 43 ، والأنبياء : 7 ) . قوله : ( فلما أكثر عليه ) ، على صيغة المجهول ، أي : فلما أكثر السؤال على النبي ، عليه الصلاة والسلام ، غضب . وهو جواب : لما . وسبب غضبه تعنتهم في السؤال وتكلفهم فيما لا حاجة لهم فيه ، ولهذا قال ، عليه الصلاة والسلام : ( إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شي فحرم من أجل مسألته ) . أخرجه البخاري من حديث سعد . قوله : ( سلوني ) جملة من الفعل والفاعل والمفعول . قال بعض العلماء : هذا القول