العيني

114

عمدة القاري

منه ، عليه الصلاة والسلام ، محمول على أنه أوحي إليه به ، إذ لا يعلم كل ما يسأل عنه من المغيبات إلاَّ بإعلام الله تعالى . وقال القاضي عياض : ظاهر الحديث أن قوله ، عليه السلام : ( سلوني ) إنما كان غضباً . قوله : ( عما شئتم ) . وفي بعض النسخ : ( عم شئتم ) . بحذف الألف . قلت : إنه يجب حذف ألف : ما ، الاستفهامية إذا جرَّت ، وإبقاء الفتحة دليلاً عليها ، نحو : فيم وإلام وعلام . وعلة الحذف الفرق بين الاستفهام والخبر ، فلهذا حذفت في نحو : * ( فيم أنت من ذكراها ) * ( النازعات : 43 ) . * ( فناظرة بم يرجع المرسلون ) * ( النمل : 35 ) . * ( لم تقولون ما لا تفعلون ) * ( الصف : 2 ) وثبت في * ( لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم ) * ( النور : 14 ) * ( يؤمنون بما أنزل إليك ) * ( البقرة : 4 ، النساء : 162 ) * ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) * ( ص 1764 ; : 75 ) . وكما لا تحذف الألف في الخبر لا تثبت في الاستفهام ، وأما قراءة عكرمة وعيسى : * ( عما يتساءلون ) * ( النبأ : 1 ) ، فنادرة . وأما قول حسان ، رضي الله عنه : * علاما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في رماد * فضرورة . ويروى : في دمان ، وهو كالرماد وزناً ومعنى . قوله : ( قال رجل ) هو عبد اللَّه بن حذافة . وقد تقدم تعريفه في : باب ما يذكر من المناولة . قوله : ( من أبي ) جملة من المبتدأ والخبر مقول القول ، وكذلك قوله : ( أبوك حذافة ) بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة المخففة . فإن قلت : لم سأله عن ذلك ؟ قلت : لأنه كان ينسب إلى غير أبيه إذا لاحى أحداً ، فنسبه ، عليه الصلاة والسلام ، إلى أبيه . فإن قلت : من أين عرف رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، أنه ابنه ؟ قلت : إما بالوحي ، وهو الظاهر ، أو بحكم الفراسة ، أو بالقياس ، أو بالاستلحاق . قوله : ( فقام إليه ) أي إلى النبي ، عليه الصلاة والسلام ، ( آخر ) أي : رجل آخر . قوله : ( أبوك سالم ) مبتدأ وخبر مقول القول . قوله : ( ما في وجهه ) أي : من أثر الغضب . وما ، موصولة ، والجملة في محل النصب على أنها مفعول : رأى ، وهو من الرؤية بمعنى الإبصار ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد . قوله : ( قال : يا رسول الله ) جواب : لما . قوله : ( إنا نتوب إلى الله ) جملة وقعت مقول القول ، أي : نتوب من الأسئلة المكروهة مما لا يرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما قال ذلك عمر ، رضي الله عنه ، لأنه لما رأى حرصهم ، وقدر ما علمه الله ، خشي أن يكون ذلك كالتعنت له والشك في أمره ، فقال : إنا نتوب إلى الله . وفي الحديث : فهمُ عمر وفضلُ علمه ، فإن العالم لا يسأل إلاَّ فيما يحتاج إليه ، وفيه كراهة لسؤال للتعنت ، وفيه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم . 29 ( ( بابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبتَيْهِ عِنْدَ الإِمامِ أو المُحِدِّثِ ) ) أي : هذا باب في بيان من برك ، بتخفيف الراء ، يقال : برك البعير بروكاً ، أي استناخ ، وكل شيء ثبت وأقام فقد برك . قال الصغاني : وبرك بروكاً اجتهد ، والتركيب يدل على ثبات الشيء ، ثم يتفرع فروع يقارب بعضها بعضاً ، وإسناده إلى الإنسان على طريقة المجاز المسمى بغير المقيد ، وهو أن تكون الكلمة موضوعة لحقيقة من الحقائق مع قيد ، فيستعملها لتلك الحقيقة لا مع ذلك القيد بمعونة القرينة ، مثل أن يستعمل المشفر وهو لشفة البعير لمطلق الشفة . فيقول : زيد غليظ المشفر . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول غضب العالم على السائل لعدم جريه على موجب الأدب ، وفي هذا الباب يذكر أدب المتعلم عند العالم ، فتناسبا من هذه الحيثية . 93 حدّثنا أبُو اليَمان قالَ : أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال : أخبْرني أنَسُ بنُ مالِكٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرَجَ ، فقامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ حُذَافَةَ فقال : مَنْ أبي ؟ فقال : ( أبوكَ حُذَافَةُ ) ثُمَّ أكْثَرَ أنْ يَقُولَ : ( سَلُونِي ) فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فقال : رضِينَا بالله ربًّا وبالإِسْلامِ دِيناً وبمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيًّا ، فَسَكَتَ . . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ورجاله أربعة قد ذكروا غير مرة ، وأبو اليمان : الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ، والزهري وهو محمد بن مسلم . وأخرجه البخاري في العلم ، وفي الصلاة ، وفي الاعتصام عن أبي اليمان عنه به ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي ، عليه الصلاة والسلام ، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الداري عن أبي اليمان به . قوله : ( فقال رضينا بالله ) معناه : رضينا بما عندنا من كتاب الله وسنة نبينا ، واكتفينا به عن السؤال أبلغ كفاية . وقوله هذه المقالة إنما كان أدباً وإكراماً لرسول الله