العيني
66
عمدة القاري
وإحدى وتسعون كلمة ، وثمان وتسعون آية . ( بسم الله الرحمان الرحيم ) ثبتت البسملة للكل . وقال ابنُ عُيَيْنَةَ المُخْبِتينَ المُطْمَئِنِّينَ أي : قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى : * ( وبشر المخبتين ) * ( الحج : 43 ) أي : ( المطمئنين ) كذا ذكره ابن عيينة في تفسيره عن ابن جريج عن مجاهد ، وقيل : المطمئنين بأمر الله ، وقيل : المطيعين ، وقيل : المتواضعين ، وقيل : الخاشعين وهو من الإخبات والخبت بفتح أوله المطمئن من الأرض . وقال ابنُ عَبَّاس في : * ( إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ) * ( الحج : 25 ) إذَا حَدَّثَ ألْقَى الشَّيْطانُ في حَدِيثِهِ فَيُبْطِلُ الله ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ويُحْكِم آياتِهِ . أي : قال ابن عباس في قوله عز وجل : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاَّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) * . . . الآية ، وهذا التعليق رواه أبو محمد الرازي عن أبيه : حدثنا أبو صالح حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عنه ، وقد تكلم المفسرون في هذه الآية أشياء كثيرة ، والأحسن منها ما قاله أبو الحسن بن علي الطبري : ليس هذا التمني من القرآن والوحي في شيء وإنما هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان إذا صفرت يده من المال ورأى ما بأصحابه من سوء الحال تمنى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان ، وأحسن من هذا أيضاً ما قاله بعضهم : كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها . قلت : تلك الكلمات هي ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم فلما بلغ : * ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) * ( النجم : 91 ) ألقى الشيطان على لسانه . * تلك الغرانيق العلى * وإن شفاعتهن لترتجى * فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا ، فنزلت هذه الآية وروي هذا أيضاً من طرق كثيرة ، وقال ابن العربي : ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها ، وقال عياض : هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده ، وكذا من تكلم بهذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحبه ، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة . وقال بعضهم : هذا الذي ذكره ابن العربي وعياض لا يمضي على القواعد ، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً . انتهى . قلت : الذي ذكراه هو اللائق بجلالة قدر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد قامت الحجة واجتمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة ، وحاشاه عن أن يجري على قلبه أو لسانه شيء من ذلك لا عمداً ولا سهواً . أو يكون للشيطان عليه سبيل أو أن يتقول على الله عز وجل لا عمداً ولا سهواً . والنظر والعرف أيضاً يحيلان ذلك ولو وقع لارتد كثير ممن أسلم ، ولم ينقل ذلك ولا كان يخفى على من كان بحضرته من المسلمين . قوله : ( من رسول ولا نبي ) الرسول هو الذي يأتيه جبريل عليه الصلاة والسلام ، بالوحي عياناً وشفاهاً ، والنبي هو الذي تكون نبوته إلهاماً أو كلاماً ، فكل رسول نبي بغير عكس . قوله : ( إذا تمنى ) أي : إذا أحب واشتهى ، وحدثت به نفسه مما لم يؤمر به . قوله : ( في أمنيته ) ، أي : مراده ، وقال ابن العربي : أي في قراءته ، فأخبر الله تعالى في هذه الآية أن سنته في رسله إذا قالوا قولاً زاد الشيطان فيه من قبل نفسه ، فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله . ويُقالُ أُمْنيَّتُهُ قِرَاءَتُهُ إلاّ أمانِيَّ يَقْرَؤُونَ ولا يَكْتُبُونَ هو قول الفراء فإنه قال : معنى قوله : ( إلا إذا تمنى ) ، إلاَّ إذا تلى قال الشاعر : * تمنى كتاب الله أول ليلة * تمني داود الزبور على رسل *