العيني
259
عمدة القاري
مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ أحَدٌ يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ أشار به إلى قوله تعالى : * ( فما منكم من أجد عنه حاجزين ) * ( الحاقة : 74 ) الضمير في عنه : يرجع إلى القتل ، وقيل : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجزون عن القاتل قاله النسفي في ( تفسيره ) وغرض البخاري في بيان أن لفظ : أحد ، يصلح للجمع وللواحد وذلك لأنه نكرة وقع في سياق النفي . قوله : ( للجمع ) ، ويروى للجميع . وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الوَتِينَ : نِيَاطَ القَلْبِ أي : قال ابن عباس في قوله تعالى عز وجل : * ( ثم لقطعنا منه الوتين ) * ( الحاقة : 64 ) أي : ( نياط القلب ) بكسر النون وتخفيف الياء آخر الحروف . وهو حبل الوريد إذا قطع مات صاحبه ، وتعليق ابن عباس وصله ابن أبي حاتم من حديث سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد عنه . قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ : طَغَى كَثُرَ وَيُقَالُ : بِالطَّا غِيَةِ بِطُغْيَانِهِمْ . وَيُقَالُ : طَغَتْ عَلَى الخزانِ كَمَا طَغَى المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ صلى الله عليه وسلم أي : قال ابن عباس في قوله تعالى : * ( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ) * ( الحاقة : 11 ) وفسر : ( طغا ) بقوله : ( كثر ) وعن قتادة : طغى الماء عتى فخرج بلا وزن ولا كيل ، وطغا فوق كل شيء خمسة عشر ذراعا والجارية : السفينة . قوله : ( ويقال : بالطاغية ) ، هو مصدر نحو الجاثية . فلذلك فسره بقوله : ( بطغيانهم ) وقيل : الطاغية صفة موصوفها محذوف تقديره : وأما ثمود فأهلكوا بأفعالهم الطاغية ، يقال : طغا يطغو ويطغى طغيانا إذا جاوز الحد في العصيان فهو طاغ وهي طاغية ، وتستعمل هذه المادة في معان كثيرة ، يقال : طغا الرجل إذا جاوز الحد ، وطغا البحر إذا هاج ، وطغا السيل إذا كثر ماؤه ، وطغى الدم إذا نبع وغير ذلك ، وهاهنا ذكر أنه استعمل لمعان ثلاثة : الأول : بمعنى الكثرة أشار إليه بقوله : وقال ابن عباس : طغا كثر ، وهو في قضية قوم نوح صلى الله عليه وسلم . والثاني : بمعنى مجاوزة الحد في العصيان ، وذلك في قوله : ويقال بالطاغية . وقد ذكرناه ، وهو في ثمود . والثالث : بمعنى مجاوزة الريح حده أشار إليه بقوله : ويقال : طغت على الخزان ، وهو في قضية قوم عاد ، وهو قوله تعالى : ( وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ) ( الحاقة : 6 ) وقوله : طغت . أي : الريح خرجت بلا ضبط من الخزان وهو جمع خازن ، وللريح خزان لا ترسلها إلاَّ بمقدار ، وأما عاد لما عتوا فأرسل الله عليهم ريحا عاتية يعني اعتت على خزانها فلم تطعهم ، وجاوزت الحد وذلك بأمر الله تعالى ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أرسل الله ريحا إلاَّ بمكيال ، ولا قطرة من الماء إلاَّ بمكيال ، إلاَّ قوم عاد وقوم نوح ، عليه الصلاة والسلام ، طغيا على الخزان فلم يكن لهم عليهما سبيل . وقال بعضهم : لم يظهر لي فاعل طغت . لأن الآية في حق ثمود وهم قد أهلكوا بالصيحة ، ولو كانت عادا لكان الفاعل الريح وهي لها الخزان انتهى . قلت : ظهر لغيره ما لم يظهر له لقصوره ، والآية في حق عاد كما ذكرناه . وهم * ( أهلكوا بريح صرصر عاتية ) * عنت على خزانها ، وأما ثمود فقد أهلكوا بالطاغية ، كما قال الله تعالى ، وقد فسر المفسرون الطاغية بالطغيان وهو المجاوزة عن الحد وعن مجاهد وابن زيد ، أهلكوا بأفعالهم الطاغية ، ودليله قوله تعالى : * ( كذبت ثمود بطغواها ) * ( الشمس : 11 ) والطغوى بمعنى الطغيان وقول هذا القائل : إن الآية في حق ثمود ، وهم قد أهلكوا بالصيحة . قول روي عن قتادة فإنه قال : يعني : الصيحة الطاغية التي جاوزت مقادير الصياح ، وكلام البخاري على قول غيره كما ذكرناه فافهم ، ولو كان مراده على قول قتادة فلا مانع أن يكون فاعل طغت الصيحة ويكون المعنى : خرجت الصيحة من صائحها وهم خزانها في الحقيقة بلا مقدار بحيث أنها جاوزت مقادير الصياح كما في قول قتادة . وَغِسْلِينٍ : مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أهْلِ النَّارِ أشار به إلى قوله تعالى : * ( ولا طعام إلاَّ من غسلين ) * ( الحاقة : 63 ) وفسره بقوله : ( يسيل من صديد أهل النار ) وهو قول الفراء . قال الثعلبي : كأنه غسالة جروحهم وقروحهم ، وعن الضحاك والربيع ، هو شجر يأكله أهل النار ، وهذا ثبت للنسفي وحده . وَقَالَ غَيْرُهُ : مِنْ غِسْلَينٍ : كلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ غَسْلَيْنٌ فِعْلَيْنٌ مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجَرْحِ وَالدُّبْرِ هذا أيضا للنسفي وحده . قوله : ( وقال غيره ) ، يدل على أن قبل قوله : وغسلين . وقال الفراء وغيره ، وقد سقط من