العيني
144
عمدة القاري
الخَلائِق عَلَى إصْبَعٍ فَيَقُولُ أنا المَلِكُ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقاً لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : * ( وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ ) * ( الزمر : 76 ) . . مطابقته للترجمة ظاهرة . وآدم هو ابن أبي إياس عبد الرحمن ، وشيبان هو ابن عبد الرحمن ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وإبراهيم هو النخعي ، وعبيدة بفتح العين وكسر الباء الموحدة : السلماني ، وعبد الله هو ابن مسعود . والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن عثمان وعن مسدد . وأخرجه مسلم في التوبة عن أحمد بن يونس . وأخرجه الترمذي في التفسير عن بندار . وأخرجه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم به وعن غيره . قوله : ( حبر ) بفتح الحاء وكسرها ، و : العالم ، بالفتح وما يكتب به بالكسر . قوله : ( على إصبع ) المراد منه القدرة ، وقال ابن فورك : المراد به هنا إصبع بعض مخلوقاته ، وهو غير ممتنع ، وقال محمد ابن شجاع الثلجي : يحتمل أن يكون خلق خلقه الله تعالى يوافق اسمه اسم الإصبع ، وما ورد في بعض الروايات من أصابع الرحمن يؤول بالقدرة أو الملك ، وقال الخطابي : الأصل في الإصبع ونحوها أن لا يطلق على الله إلاَّ أن يكون بكتاب أو خبر مقطوع بصحته ، فإن لم يكونا فالتوقف عن الإطلاق واجب ، وذكر الأصابع لم يوجد في الكتاب ولا في السنة القطعية ، وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الإصبع ، وقد روى هذا الحديث كثير من أصحاب عبد الله من طريق عبيدة فلم يذكروا فيه تصديقاً لقول الحبر ، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ) ، والدليل على أنه لم ينطق فيه بحرف تصديقاً له وتكذيباً ، وإنما ظهر منه الضحك المخيل للرضاء مرة ، وللتعجب والإنكار أخرى ، وقول من قال : إنما ظهر منه الضحك تصديقاً للحبر ظن منه ، والاستدلال في مثل هذا الأمر الجليل غير جائز ، ولو صح الخبر لا بد من التأويل بنوع من المجاز ، وقد يقول الإنسان في الأمر الشاق إذا أضيف إلى الرجل القوي المستقل المستظهر إنه يعمله بإصبع أو بخنصر ونحوه ، يريد الاستظهار في القدرة عليه والاستهانة به ، فعلم أن ذلك من تحريف اليهودي ، فإن ضحكه صلى الله عليه وسلم إنما كان على معنى التعجب والتكبر له ، وقال التميمي تكلف الخطابي فيه ، وأتى في معناه ما لم يأت به السلف ، والصحابة كانوا أعلم بما رووه ، وقالوا : إنه ضحك تصديقاً له ، وثبت في السنة الصحيحة : ( ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ) ، وقال الكرماني : الأمة في مثلها طائفتان مفوضة ومؤولة واقفون على قوله : * ( وما يعلم تأويله إلا الله ) * ( آل عمران : 7 ) وقال النووي ، رحمه الله : وظاهر السياق يدل على أنه ضحك تصديقاً بدليل قراءته الآية التي تدل على صحة ما قال الحبر . قوله : ( نواجذه ) ، بالنون والجيم والذال المعجمة ، وقال الأصمعي : هي الأضراس كلها لا أقصى الأسنان ، والأحسن ما قاله ابن الأثير : النواجذ من الإنسان الضواحك ، وهي التي تبدو عند الضحك ، والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان ، والمراد الأول لأنه صلى الله عليه وسلم ، ما كان يبلغ به الضحك حتى يبدو آخر أضراسه ، كيف وقد جاء في صفة ضحكه : ( جل ضحكه التبسم ) ، وإن أريد بها الأواخر فالوجه فيه أن يراد مبالغة مثله في الضحك من غير أن يراد ظهور نواجذه في الضحك ، وهو أقيس القولين لاشتهار النواجذ بأواخر الأسنان . 3 ( ( بابُ قَوْلِهِ : * ( والأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) * ( الزمر : 76 ) ) أي : هذا باب في قوله عز وجل : * ( والأرض جميعاً ) * الآية . . . ولم يذكر لفظ : باب ، في بعض النسخ ، ولما أخبر الله تعالى عن عظمته قبل هذه الآية ذكر أن من جملة عظمته أن الأرض جميعاً قبضته أي : ملكه يوم القيامة بلا منازع ولا مدافع ، قال الأخفش : هذا كما يقال : خراسان في قبضة فلان ، ليس يريد أنها في كفه ، إنما معناه أنها ملكه ، ولما وقع الأرض مفرداً حسن تأكيده بقوله : جميعاً ، أشار إلى أن المراد جميع الأراضي . قوله : ( مطويات ) للطي معان : ( الإدراج ) : كطي القرطاس والثوب ، بيانه في قوله تعالى : * ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) * ( الأنبياء : 401 ) ، ( والإخفاء ) ، يقال : طويت فلاناً عن أعين الناس ، واطوِ هذا الحديث عني أي : استره ، والإعراض ، يقال : طويت عن فلان أعرضت عنه ، ( والإفناء ) : يقول العرب : طويت فلاناً بسيفي أي أفنيته ، وإنما ذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار ، وقيل : هو بمعنى القوة ، وقيل : اليمين القسم لأنه حلف أنه يطويها وينفيها ، ثم نزه الله عز وجل فقال سبحانه الآية .