العيني
7
عمدة القاري
كونه في الجاهلية بأن صار مسلماً . قوله : ( أو ) ، بسكون الواو أي : ( أو إن هذا ) يعني : سواد بن قارب مستمر على دينه في الجاهلية يعني : على عبادة ما كانوا يعبدون . قوله : ( لقد كان كاهنهم ) ، أي : كاهن قومه . قوله : ( عليَّ ) بتشديد الياء . قوله : ( الرجل بالنصب ) أي : أحضروه إلي وقربوه مني . قوله : ( فدعي به ) ، على صيغة المجهول . أي : دعي بالرجل وهو سواد بن قارب ، ويروى : فدعي له ، فإن صحت هذه الرواية يكون الضمير في قوله : له ، راجعاً إلى عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أي : دعي الرجل لأجله . قوله : ( فقال له ذلك ) ، أي : قال له عمر ، وذلك إشارة إلى ما قاله في غيبته قبل أن يحضر بين يديه من التردد بقوله أو ، في الموضعين وفي رواية محمد بن كعب : فقال : فأنت على ما كنت عليه من كهانتك ؟ فغضب سواد . واقتصر عمر هنا على أخف الأمرين وهما : الكهانة والشرك ، تلطفاً به . قوله : ( ما رأيت كاليوم ) ، أي : ما رأيت يوماً مثل هذا اليوم حيث ( استقبلَ به ) أي : فيه ( رجل مسلم ) ، وارتفاع رجل بقوله : استقبل ، الذي هو على صيغة البناء للفاعل ، وقال الكرماني : استقبل ، على صيغة المجهول ، فعلى هذا قوله : الرجل ، مرفوع أيضاً ، لأن الفعل مستند إليه ، والباء في : به ، بمعنى : في ، أيضاً . والضمير يرجع إلى اليوم ، وفي رواية النسفي وأبي ذر : رجلاً مسلماً ، بالنصب ، وقال الكرماني : رجلاً ، منصوب لأنه مفعول : رأيت ، وفي القلب من هذا دغدغة على ما لا يخفى إن كان مراده : رأيت ، المصرح به في الحديث ، فإن قدر لفظ : رأيت ، آخر ، يكون موجهاً تقديره حينئذ : ما رأيت يوماً مثل هذا اليوم رأيت استقبل به أي : بالكلام المذكور رجلاً مسلماً . قوله : ( استقبل به ) ، جملة معترضة بين الفاعل والمفعول ، وحاصل المعنى : ما رأيت كاليوم رأيت فيه رجلاً استقبل به أي : في اليوم ، ورأيت الشراح فيه عاجزين ، فمنهم من لم يتعرض إلى شيء ما كأنه ما اطلع على المتن ، ومنهم من تصرف فيه بالتعسف . قوله : ( فإني أعزم ) أي : قال سواد بن قارب ، كنت كاهن القوم ، والكاهن هو الذي يتعاطى الأخبار المغيبة ويخبر بها ، وكان في العرب في الجاهلية كهان كثير ، وأكثرهم كان يعتمد على تابعه من الجن ، وأما الذي كان يدعي معرفة ذلك بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله فهو الذي يسمى : عرافاً . قوله : ( فما أعجب ) كلمة : ما ، استفهامية ، وأعجب ، بالرفع أي : أي شيء أعجب . قوله : ( ما جاءت به ) ، كلمة : ما ، يجوز أن تكون موصولة بدلاً من كلمة : ما ، في : ما أعجب ، ويجوز أن تكون مصدرية ، والتقدير : أي شيء أعجب من مجيء جنيتك بالأخبار ، والجنية تأنيث الجني ، وأنثه تحقيراً له ، وقيل : يحتمل أن يكون قد عرف أن تابع سواد من الجن أنثى ، أو هو كما يقال : تابع الذكر أنثى وتابع الأنثى الذكر . قوله : ( جاءتني ) أي : الجنية . قوله : ( الفزع ) ، بفتح الفاء والزاي : الخوف ، وفي رواية محمد بن كعب : أن ذلك كان وهو بين النائم واليقظان . قوله : ( فقالت ) أي : الجنية . قوله : ( ألم تر الجن . . ) إلى آخره ، من الرجز ، و : الجن ، منصوب بقوله : ألم تر ، قوله : ( وإبلاسها ) بالنصب عطفاً على ما قبله ، وإبلاس ، بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة ، وقال ابن الأثير : الإبلاس الحيرة ومنه الحديث : ألم تر الجن وإبلاسها ، أي : تحيرها . وقال الكرماني : إبلاسها ، أي : انكسارها ، وقال غيره : صيرورتها مثل إبليس حائراً بائراً . قوله : ( ويأسها ) ، بالنصب أيضاً عطفاً على ما قبله ، والياس بالياء آخر الحروف ضد الرجاء . قوله : ( من بعد إنكاسها ) ، بكسر الهمزة وسكون النون ، أي : من بعد انتكاسها ، والانتكاس الانقلاب على الرأس ، ويروى : من بعد أنساكها ، بفتح الهمزة ، قال ابن الأثير : هكذا جاء في رواية ، أي : متعبداتها ، وقال ابن فارس الأنساك جمع نسك ، وهو المكان الذي يألفه ، أراد أنها يئست من السمع بعد أن كانت ألفته ، وروى الداودي : من بعد إيناسها ، وقال : يعني كانت تأنس إلى ما تسمع . قوله : ( ولحوقها ) ، بالنصب عطفاً على : إبلاسها ، ويجوز بالجر عطفاً على ، أنكاسها ، قوله : ( بالقلاص ) ، بكسر القاف : وهو جمع قلوص وهي الناقة الشابة ، وقال الكرماني : وأريد بالقلاص أهل القلاص وهم العرب على طريق الكناية وقال غيره أراد تفرقهم ونفارهم كراهية الإسلام قوله ( وإحلاسها ) بفتح الهمزة جمع حلس بكسر الحاء المهملة وسكون اللام ، وهو كساء رقيق يوضع تحت البردعة رعاية لظهر الدواب ، وفي رواية : أن الجني عاوده ثلاث مرات . قال البيهقي في ( دلائل النبوة ) من حديث أبي إسحاق عن البراء بن عازم : كان له ، أي لسواد بن قارب رائي من الجن ، قال : بينا أنا نائم إذ جاءني ، فقال : قم فافهم واعقل إن كنت تفعل ، قد بعث رسول من لؤي بن غالب ، ثم أنشأ يقول : * عجبت للجن وأجناسهاوشدها العيس بأحلاسها *