العيني
53
عمدة القاري
فلا نسلم فيه الملازمة التي ذكرها ، ولئن سلمنا فماذا يترتب إذا مشى أبو بكر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هو المطلوب عند الملوك وأكابر الناس ولائمة ملك ولا كبير أشرف من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أجلّ قدراً . وأما كلام المجيب فإنه يسقط بسقوط الاعتراض . قوله : ( وأبو بكر شيخ يعرف ) أما كونه شيخاً فلأنه قد شاب ، ومع هذا فرسول الله ، صلى الله عليه وسلم كان أسن من أبي بكر على الصحيح ، لكن كان شعر أبي بكر أبيض وأكثر بياضاً من شعر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأما كونه يعرف ، فلأنه كان يمر على أهل المدينة في سفر التجارة ، بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : ( يهديني السبيل ) ، وسبب هذا القول ما ذكره ابن سعد في رواية له : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لأبي بكر : ألهُ الناس عني ، فكان إذا سئل : من أنت ؟ قال : باغي حاجة ، فإذا قيل : من هذا ؟ قال : هادٍ يهديني ، يريد الهداية في الدين ، ويحسبه الآخر دليلاً . قوله : ( ويحسب ) ، أي : يظن . قوله : ( فقال : يا رسول الله ! هذا فارس ) وهو سراقة بن مالك جعشم . قوله : ( ثم قامت تحمحم ) ، من الحمحمة بالمهملتين : وهي صوت الفرس ، وقال ابن التين : في هذا الكلام نظر ، لأن الفرس إن كانت أنثى فلا يجوز : فصرعه ، وإن كان ذكراً فلا يقال : ثم قامت ، وقال بعضهم وإنكاره من العجائب . والجواب أنه ذكَّر باعتبار لفظ الفرس ، وأنَّث باعتبار ما في نفس الأمر من أنها كانت أنثى . قلت : الجواب الذي يقال ما قاله أهل اللغة منهم الجوهري : الفرس يقع على الذكر والأنثى ، ولم يقل أحد : إنه يذكر باعتبار لفظه ويؤنث باعتبار أنها كانت أنثى ، فهذا الذي ذكره على قوله يمشي في غير الفرس أيضاً ، ولكن لم يقل به أحد ولا له وجه . قوله : ( لا تتركن أحداً يلحق بنا ) هو كقولهم : لا تدن من الأسد يهلكك . قال الكرماني : وهو ظاهر على مذهب الكسائي ولم يبين ذلك . قلت : هذا المثال غير صحيح عند غير الكسائي ، لأن فيه فساد المعنى ، لأن انتفاء الدنو ليس سبباً للهلاك ، والكسائي يجوّز هذا لأنه يقدر الشرط إيجابياً في قوة : إن دنوت من الأسد يهلكك ، وتحقيقه يعرف في موضعه . قوله : ( مسلحة له ) أي : يدفع عنه الأذى ، وقال الكرماني : المسلحة ، بفتح الميم : صاحب السلاح . قلت : فيه ما فيه ، قال الجوهري : المسلحة قوم ذوو سلاح ، والمسلحة كالثغر والمرقب ، وقال ابن الأثير المسلحة القوم الذين يحفظون الثغور من العدو ، وسموا مسلحة لأنهم يكونون ذوو سلاح أو لأنهم يسكنون المسلحة وهي كالثغر ، والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة ، فإذا رأواه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له ، والجمع مسالح . قوله : ( عليهما ) أي : على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( آمنين ) تثنية : آمن ، نصب على الحال ، وكذا قوله : ( مُطاعَين ) تثنية : مطاع نصب على الحال إما المتداخلة أو المترادفة . قوله : ( وحفوا دونهما ) أي : أحدقوهما بالسلاح . قال الله تعالى : * ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ) * ( الزمر : 75 ) . أي : محدقين . قوله : ( فأقبل ) أي : رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قوله : ( يسير ) حال . أي : أقبل حال كونه سائراً . قوله : ( فإنه ليحدث أهله ) الضمير في : أنه ، يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( إذ سمع ) كلمة : إذ ، للمفاجأة . قوله : ( وهو في نخل ) الواو فيه للحال . قوله : ( يخترف لهم ) بالخاء المعجمة وبالفاء أي : يجتني من الثمار . قوله : ( فعجل ) أي : ااستعجل . قوله : ( لهم ) أي : لأهله . قوله : ( فيها ) أي : في النخل . النخل والنخيل بمعنًى ، والواحدة نخلة . قوله : ( فجاء وهي معه ) الواو فيه للحال أي : الثمرة التي اجتناها معه ، ويروى : وهو معه ، أي : الذي اجتناه . قوله : ( أهلنا ) ، إنما قال صلى الله عليه وسلم : أهلنا ، لقرابة ما بينهم من النساء ، لأن جدته والدة عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو ( منهم ) أي من بني مالك بن النجار ، ولهذا جاء في حديث البراء : أنه صلى الله عليه وسلم ، نزل على أخواله أو أجداده من بني النجار . قوله : ( مقيلاً ) أي : مكاناً يقيل فيه ، والمقيل أيضاً النوم نصف النهار . وقال الأزهري : القيلولة والمقيل : الاستراحة نصف النهار ، كان معها نوم أو لا ، بدليل قوله تعالى : * ( وأحسن مقيلاً ) * ( الفرقان : 24 ) . والجنة لا نوم فيها . يقال : قلت أقيل قائلة وقيلولة ومقيلاً ، قال الداودي : فهي لنا مقيلاً ، يعني دار أبي أيوب ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ) أي : إلى منزل أبي أيوب جاء عبد الله بن سلام إليه . قوله : ( قالوا فيَّ ) بتشديد الياء في الموضعين . قوله : ( فدخلوا عليه ) أي : على النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد أن خبأ عبد الله بن سلام ، وفي رواية يحيى بن عبد الله : فأدخلني في بعض بيوتك ثم سلهم عني فإنهم إن علموا بذلك بهتوني وعابوني . قال : فأدخلني بعض بيوته . قوله : ( قال : يا ابن سلام ) أي : قال النبي صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله بن سلام أخرج عليهم ، إنما قال : عليهم ، دون : لهم ، لأنه صار عدواً لهم بإسلامه ومفارقته إياهم . قوله : ( فأخرجهم ) أي : من عنده .