العيني

300

عمدة القاري

كما في متن الحديث . قوله : ( قد زنت ) حال من : قردة ، المفردة . فإن قلت : كيف ذكر قوله : ( اجتمع ) مع أن فاعله جماعة ، وهو قوله : ( قردة ) وكذلك ذكر الضمير المرفوع في : ( رجموها ) وفي قوله : معهم ؟ قلت : أما الأول : فلوقوع الفصل بين الفعل والفاعل . وأما الثاني : فباعتبار أن الراوي كان بين القردة ، فغلب المذكر على المؤنث ، وأصل هذه القصة ما ذكرها الإسماعيلي مشروحة من طريق عيسى بن حطان عن عمرو بن ميمون ، قال : كنت في اليمن في غنمٍ لأهلي وأنا على شرف ، فجاء قرد مع قردة فتوسد يدها ، فجاء قرد أصغر منه فغمزها ، فسلت يدها من تحت رأس القرد الأول سلاًّ رَفيقاً وتبعته ، فوقع عليها وأنا أنظر ، ثم رجعت فجعلت تدخل يدها من تحت خد الأول برفق ، فاستيقظ فزعاً ، فشمها فصاح فاجتمعت القرود ، فجعل يصيخ ويومي إليها بيده ، فذهب القرود يمنة ويسرة ، فجاءوا بذلك القرد أعرفه ، فحفروا لهما حفرة فرجموهما ، فلقد رأيت الرجم في غير بني آدم . وقال ابن التين : لعل هؤلاء كانوا من نسل الذين مسخوا فبقي فيهم ذلك الحكم . وقال ابن عبد البر : إضافة الزنا إلى غير المكلف وإقامة الحدود في البهائم عند جماعة أهل العلم منكر ، ولو صح لكانوا من الجن ، لأن العبادات في الجن والإنس دون غيرهما . وقال الكرماني : يحتمل أن يقال : كانوا من الإنس فمسخوا قردة وتغيروا عن الصورة الإنسانية فقط ، وكان صورته صورة الزنا والرجم ولم يكن ثمة تكليف ولا حدّ ، وإنما ظنه الذي ظن في الجاهلية مع أن هذه الحكاية لم توجد في بعض نسخ البخاري ، وقال الحميدي : في ( الجمع بين الصحيحين ) : هذا الحديث وقع في بضع نسخ البخاري ، وأن أبا مسعود وحده ذكره في ( الأطراف ) ، قال : وليس هذا في نسخ البخاري أصلاً ، فلعله من الأحاديث المقحمة في كتاب البخاري ، وقال بعضهم في الرد على ابن التين بأنه : ثبت في ( صحيح مسلم ) : أن الممسوخ لا نسل له ، ويعكر عليه بما ثبت أيضاً في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما أوتي بالضب ، قال : لعله من القرون التي مسخت . وقال في الفأر : فقدت أمة من بني إسرائيل لا أراها إلاَّ الفار وإليه ذهب أبو إسحاق الزجاج وأبو بكر بن العربي حيث قالا : إن الموجود من القردة من نسل الممسوخ ، وأجيب بأنه ، صلى الله عليه وسلم ، قال ذلك قبل الوحي إليه يحقيقة الأمر في ذلك ، وفيه نظر لعدم الدليل عليه ، وقال في الرد على ابن عبد البر بأنه لا يلزم من كون صورة الواقعة صورة الزنا ، والرجم يكون ذلك زناً حقيقة ولا حداً ، وإنما أطلق ذلك عليه لشبهه به ، فلا يستلزم ذلك إيقاع التكليف على الحيوان . وأجيب : عنه بالجواب الأول من جوابي الكرماني في ذلك ، وقال في الرد على الحميدي ، بقوله : وما قاله الحميدي مردود ، فإن الحديث المذكور في معظم الأصول التي وقفنا عليها ، ورد عليه بأن وقوف الحميدي على الأصول أكثر وأصح من وقوف هذا المعترض ، لأنه جمع بين ( الصحيحين ) ومثله أدرى بحالهما ، ولو كان في أصل البخاري هذا الحديث لم يجزم بنفيه عن الأصول قطعاً وجزماً على أنه غير موجود في رواية النسفي ، وقال هذا القائل أيضاً : وتجويز الحميدي أن يزاد في ( صحيح البخاري ) ما ليس منه ينافي ما عليه العلماء من الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاري في كتابه ، ومن اتفاقهم على أنه مقطوع بنسبته إليه . قلت : فيه نظر ، لأن منهم من تعرض إلى بعض رجاله بعدم الوثوق وبكونه من أهل الأهواء ، ودعوى الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاري فيه غير موجهة ، لأن دعوى الكلية تحتاج إلى دليل قاطع ، ويرد ما قاله أيضاً بأن النسفي لم يذكر هذا الحديث فيه . 0583 حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثَنَا سُفْيَانُ عنْ عُبَيْدِ الله سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال خِلاَلٌ مِنْ خِلالِ الجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ في الأنْسَابِ والنِّياحَةُ ونَسيَ الثَّالِثَةَ : قال سُفْيَانُ ويَقُولُونَ إنَّهَا الاسْتِسْقَاءُ بالأنْوَاءِ . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعبيد الله تصغير عبد بن أبي يزيد المكي ، مولى آل قارظ بن شيبة الكناني . وثقه ابن المديني وابن معين وآخرون ، وكان مكثراً . قال ابن عيينة : مات سنة ست وعشرين ومائة ، وله ست وثمانون سنة . قوله : ( خلال ) أي : خصال ثلاث من خصال الجاهلية . أحدها : ( االطعن في الأنساب ) كطعنهم في نسب أسامة .