العيني

309

عمدة القاري

وأبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري . والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضل عائشة عن عمرو بن مرزوق وفي الأطعمة عن بندار عن غندر ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن أبي بكر وأبي كريب وعن محمد بن المثنى وابن بشار وعن عبيد الله بن معاذ . وأخرجه الترمذي في الأطعمة عن محمد بن المثنى به ، وأخرجه النسائي في المناقب وفي عشرة النساء عن قتيبة بقصة مريم وآسية وعن عمرو بن علي كذلك وعن إسماعيل بن مسعود بقصة فضل عائشة . وأخرجه ابن ماجة في الأطعمة عن محمد بن بشار بتمامه . ذكر معناه : قوله : ( كمل ) ، بضم الميم وفتحها وكسرها ، ثلاث لغات ، والمراد من الكمال : التناهي في جميع فضائل الرجال ، قوله : ( ولم يكمل من النساء إلاَّ آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران ) ، وقد استدل بعضهم بهذا على أن آسية ومريم نبيتان ، لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء ثم الأولياء والصديقون والشهداء ، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة ، وفي نفس الأمر إن هذه الصفات موجودة في كثير منهن فكأنه قال : لم تنبأ من النساء إلا فلانة وفلانة . ومنع بأنه لا يلزم من لفظها الكمال نبوتهما إذ هو يطلق على إتمام الشيء وتناهيه في بابه ، فالمراد تناهيهما في جميع الفضائل التي للنساء ، وقال الكرماني : وقد نقل الإجماع على عدم النبوة للنساء . قلت : وقد نقل عن الأشعري أن من النساء من نبيء وهن ست : حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم ، وقد ثبت مجيء الملك لبعضهن في القرآن ، وقد قال الله تعالى بعد أن ذكر مريم والأنبياء بعدها : * ( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) * ( مريم : 85 ) . فدخلت في عمومه ، وقال القرطبي : الصحيح أن مريم نبية لأن الله أوحى إليها بواسطة الملك وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها . قوله : ( وإن فضل عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، على النساء ) أي : على نساء هذه الأمة في الفضيلة وليس فيه ما يدل على الأفضلية ، لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، شبه فضلها بفضل الثريد على غيره من الطعام لما فيه من تيسير المؤونة وسهولة الإساغة ، وكان أجل أطعمتهم يومئذ ، وكل هذه الخصال لا تستلزم الأفضلية لها من كل وجه . وقد ورد من طريق صحيح ما يقتضي أفضلية خديجة ، رضي الله تعالى عنها ، على غيرها ، وهو ما روي من حديث علي ، رضي الله تعالى عنه : خير نسائها خديجة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى . وورد أيضاً ما يقتضي أفضلية خديجة وفاطمة ، رضي الله تعالى عنهما ، فيما أخرجه أحمد وابن حبان وأبو يعلى والطبراني وأبو داود في كتاب الزهد والحاكم ، كلهم من طريق موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون ) . وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه الطبراني في ( الأوسط ) وأحمد في ( مسنده ) من حديث أبي سعيد رفعه : فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلاَّ ما كان من مريم بنت عمران . وعن أنس ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حسبك من نساء العالمين بأربع : مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ) . رواه أحمد والترمذي وابن عساكر . وعن ابن عباس ، قال : ( خط رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في الأرض أربعة خطوط ، فقال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ) . رواه النسائي وأبو يعلى وابن عساكر ، وروى الإمام أحمد من حديث أبي سعيد ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلاَّ ما كان من مريم بنت عمران ) . وهذا يدل على أن فاطمة ومريم أفضل هذه الأربع ، ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة ، ويحتمل أن تكونا على السواء في الفضيلة ، لكن ورد حديث ، إن صح عين الاحتمال الأول ، وهو ما روي : أن ابن عباس قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون ) . رواه ابن عساكر ، فإن كان هذا اللفظ محفوظاً : بثم ، التي للترتيب فهو مبين لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء ، ويقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت : بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه ، وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي بإسناده إلى ابن عباس مرفوعاً ، وذكره : بواو العطف لا بثم ، التي للترتيب فخالفه إسناداً ومتناً . قوله : ( كفضل الثريد ) هو من ثردت الخبر ثرداً إذا كسرته فهو ثريد ومثرود ، والاسم : الثردة ، بالضم