العيني

20

عمدة القاري

أبي بكر ، وأنكر هذا ، وقالوا : ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نحلها شيئاً ولا أنها طالبت به . فإن قلت : رووا أن فاطمة طلبت فدك ، وذكرت أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أقطعها إياها وشهد علي ، رضي الله تعالى عنه ، على ذلك فلم يقبل أبا بكر شهادته ، لأنه زوجها . قلت : هذا لا أصل له ولا يثبت به رواية أنها ادعت ذلك ، وإنما هو أمر مفتعل لا يثبت . قوله : ( ما ترك ) بيان أو بدل لميراثها . قوله : ( مما أفاء الله عليه ) من الفيء ، وهو ما حصل له صلى الله عليه وسلم من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد . قوله : ( لا نورث ) ، قال القرطبي : جميع الرواه لهذه اللفظة يقولونها بالنون : لا نورث ، يعني جماعة الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، كما في الرواية الأخرى : نحن معاشر الأنبياء لا نورث . قوله : ( ما تركنا ) في محل الرفع على الابتداء . ( وصدقة ) بالرفع خبره ، وقد صحف بعض الشيعة هذا وقال : لا يورث ، بياء آخر الحروف ، وما تركنا صدقة ، بالنصب على أن يجعل : ما ، مفعولاً لما لم يسم فاعله ، و : صدقة ، تنصب على الحال ، يكون معنى الكلام : أن ما نترك صدقة لا يورث ، وهذا مخالف لما وقع في سائر الروايات ، وإنما فعل الشيعة هذا واقتحموه لما يلزمهم على رواية الجمهور من فساد مذهبهم ، لأنهم يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم يورث كما يورث غيره من المسلمين متمسكين بعموم الآية الكريمة . وقال الكرماني : لا نورث بفتح الراء ، والمعنى على الكسر أيضاً صحيح . ثم الحكمة في سبب عدم ميراث الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، أنه لا يظن بهم أنهم جمعوا المال لورثتهم ، وقيل : لئلا يخشى على وارثهم أن يتمنى لهم الموت فيقع في محذور عظيم . وقيل : لأنهم كالآباء لأمتهم ، فما لهم لكل أولادهم ، وهو معنى الصدقة . قوله : ( فهجرت أبا بكر ) قال المهلب : إنما كان هجرها انقباضاً عن لقائه وترك مواصلته ، وليس هذا من الهجران المحرم ، وأما المحرم من ذلك أن يلتقيا فلا يسلم أحدهما على صاحبه ولم يرو أحد أنهما التقيا وامتنعا من التسليم ، ولو فعلا ذلك لم يكونا متهاجرين إلاَّ أن تكون النفوس مظهرة للعداوة والهجران ، وإنما لازمت بيتها فعبر الراوي عن ذلك بالهجران . وقد ذكر في كتاب ( الخمس ) تأليف أبي حفص بن شاهين عن الشعبي : أن أبا بكر قال لفاطمة : يا بنت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ما خير عيش حياة أعيشها وأنت عليَّ ساخطة ؟ فإن كان عندك من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ذلك عهد فأنت الصادقة المصدقة المأمونة على ما قلت . قال : فما قام أبو بكر حتى رضيت ورضي . وروى البيهقي عن الشعبي قال : لما مرضت فاطمة ، رضي الله تعالى عنها ، أتاها أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، فاستأذن عليها فقال علي ، رضي الله تعالى عنه : يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت : أتحب أن آذن له ؟ قال : نعم ، فأذنت له فدخل عليها يترضاها ، فقال : والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلاَّ ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت ، ثم ترضاها حتى رضيت ، وهذا قوي جيد ، والظاهر أن الشعبي سمعه من علي ، رضي الله تعالى عنه ، أو ممن سمعه من علي . فإن قلت : روى أحمد وأبو داود عن أبي الطفيل ، قال : لما قبض رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر : لأنت ورثت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أم أهله ؟ فقال : لا بل أهله . قالت : فأين سهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله تعالى إذا أطعم نبياً طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده ، فرأيت أن أرده على المسلمين . قالت : فأنت وما سمعت من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قلت : في لفظة غرابة ونكارة ، وفي إسناده من يتشيع ، وأحسن ما فيه قولها : أنت وما سمعت من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو المظنون بها ، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها . قوله : ( وفدك ) بالفاء والدال المهملتين المفتوحتين منصرفاً وغير منصرف ، بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلتان ، وقيل : ثلاث . قوله : ( وصدقته بالمدينة ) أي : أملاكه التي بالمدينة التي صارت بعده صلى الله عليه وسلم صدقة ، ويقال : صدقته بالمدينة أموال بني النضير ، وكانت قريبة من المدينة . وقال ابن الجوزي وهي مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، وقال عياض : الصدقات التي صارت إليه صلى الله عليه وسلم : أحدها : من وصية مخيريق يوم أحد ، وكانت سبع حوائط في بني النضير . قلت : مخيريق كان يهودياً فأعطى تلك الحوائط لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم عند إسلامه . الثاني : ما أعطاه الأنصار من أرضهم ، وهو مما لا يبلغه الماء ، وكان هذا ملكاً له صلى الله عليه وسلم ، ومنها حقه من الفيء من أموال بني النضير ، كانت له خاصة حين أجلاهم ، وكذا نصف أرض فدك ، صالح أهلها بعد