العيني

62

عمدة القاري

البدن . وغصونه . قوله : ( وقتل النفس ) أي : الثالث : من السبع الموبقات : قتل النفس . قوله : ( وأكل الربا ) أي : الرابع : أكل الربا ، وهو فضل مال بلا عوض في معاوضة مال بمال ، كما عرف في الفقه . قوله : ( وأكل مال اليتيم ) ، أي : الخامس : أكل مال اليتيم ، وهو المنفرد في اللغة ، وهو : من مات أبوه وهو ما دون البلوغ ، وفي البهائم : ما ماتت أمه . قوله : ( والتولي يوم الزحف ) أي : السادس : الفرار عن القتال يوم ازدحام الطائفتين ، ويقال : التولي الإعراض عن الحرب والفرار من الكفار إذا كان بإزاء كل مسلم كافران ، وإن كان بإزاء كل مسلم أكثر من كافرين يجوز الفرار ، والزحف الجماعة الذين يزحفون إلى العدو أي يمسون إليهم بمشقة ، من زحف الصبي إذا دب على أسته . قوله : ( وقذف المحصنات ) ، أي : السابع : قذف المحصنات ، القذف الرمي البعيد ، استعير للشتم والعيب والبهتان كما استعير للرمي ، والمحصنات جمع محصنة ، بفتح الصاد ، اسم مفعول أي : التي أحصنها الله تعالى وحفظها من الزنا ، وبكسرها ، اسم فاعل أي : التي حفظت فرجها من الزنا . قوله : ( المؤمنات ) ، احترز به عن قذف الكافرات فإن قذفهن ليس من الكبائر وإن كانت ذمية فقذفها من الصغائر لا يوجب الحد وفي قذفه الأمة المسلمة التعزير دون الحد . قوله : ( الغافلات ) ، كناية عن البريئات لأن البرىء غافل عما بهت به من الزنا . ذكر ما يستفاد منه : فيه : ذكر السبع ، ولا ينافي أن لا تكون كبيرة إلاَّ هذه ، فقد ذكر في غير هذا الموضع : قول الزور ، وزنا الرجل بحليلة جاره وعقوق الوالدين ، واليمين الغموس ، واستحلال بيت الله ، ومسك امرأة محصنة لمن يزني بها ، ومسك مسلم لمن يقتله ، ودل الكفار على عورات المسلمين مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته ويُسبون ويغنمون ، والحكم بغير حق ، والإصرار على الصغيرة . وقال الشافعي : وأكبرها بعد الإشراك : القتل ، وادعى بعضهم أن الكبائر سبع ، كأنه أخذ ذلك من هذا الحديث . وقال بعضهم : إحدى عشرة ، وقال ابن عباس : إلى السبعين أقرب ، وروى عنه أن سبعمائة ، والتحقيق هنا أن التنصيص على عدد لا ينافي أكثر من ذلك ، وأما تعيين السبع هنا فلاحتمال أن يكون أعلم الشارع بها في ذلك الوقت ، ثم أوحى إليه بعد ذلك غيرها ، أو يكون السبع هي التي دعت إليها الحاجة في ذلك الوقت ، ثم أوحى إليه بعد ذلك غيرها ، أو يكون السبع هي التي دعت إليها الحاجة في ذلك الوقت ، وكذلك القول في كل حديث خص عدداً من الكبائر . وفيه : أن الموبقات التي هي الكبائر لا بد في مقابلتها الصغائر ، فلا بد من الفرق بينهما ، فقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام : إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها ، فإذا نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر ، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليه فهي من الكبائر ، فمن شتم الرب ، عز وجل ، أو رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، أو استهان بالرسل أو كذب واحداً منهم أو ضمح الكعبة المشرفة بالعذرة أو ألقى المصحف في القاذورات فهي من أكبر الكبائر ، ولم يصرح الشرع بذكرها ، وقال بعضهم : كل ذنب قرن به وبه لأعيد أو حد أو لعن فهو كبيرة ، وروي هذا عن الحسن أيضاً ، وقيل : الكبيرة ما يشعر بتهاون مرتكبها في دينه . وعن ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه : الكبائر جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله : * ( إن تجتنبوا كباشر ما تنهون عنه ) * ( النساء : ) . وعن ابن عباس : كل ما نهى الله عنه فهي كبيرة ، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وغيره ، وعن عياض : هذا مذهب المحققين ، لأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة . قال القرطبي : وما أظنه صحيحاً عنه ، أي : عن ابن عباس ، يعني : عدم التفرقة بين الصغيرة والكبيرة ، فإنه قد فرق بينهما في قوله : * ( أن تجتنبوا كبائر ) * ( النساء : 13 ) . * ( والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاَّ اللمم ) * ( النجم : 23 ) . فجعل من المنهيات كبائر وصغائر ، وفرق بينهما في الحكم لما جعل تكفير السيئات في الآية ، مشروطاً باجتناب الكبائر ، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش ، فكيف يخفي مثل هذا الفرق على حَبر القرآن ؟ فالرواية عنه لا تصح ، أو : هي ضعيفة ، والمشهور انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر ، وادعى بعضهم أنها كلها كبائر . وفيه : السحر ، والكلام فيه على أنواع : الأول : إن السحر له حقيقة ، وذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة في كتابه ( الأشراف على مذاهب الأشراف ) : أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلاَّ أبا حنيفة . فإنه قال : لا حقيقة له . وقال القرطبي : وعندنا أن السحر حق ، وله حقيقة يخلق الله تعالى عنده ما شاء ، خلافاً للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية ، حيث قالوا : إنه تمويه وتخيل . قال : ومن السحر