العيني
63
عمدة القاري
ما يكون بخفة اليد كالشعوذة ، والشعوذي البريد لخفة سيره ، وقال ابن فارس : وليست هذه الكلمة من كلام أهل البادية . قال القرطبي : ومنه ما يكون كلاماً يحفظ ، ورقى من أسماء الله تعالى ، وقد يكون من عهود الشياطين ، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك . وقال الرازي في ( تفسيره ) عن المعتزلة : إنهم أنكروا وجود السحر . قال : وربما كفَّروا من اعتقد وجوده . قال : وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء ، وأن يقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً ، إلاَّ أنهم قالوا : إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة ، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم ، فلا خلافاً للفلاسفة والمنجمين والصابئة . ثم استدل على وقوع السحر ، وأنه بخلق الله بقوله تعالى : * ( وما هم بضارين به من أحد إلاَّ بإذن الله ) * ( البقرة : 201 ) . ومن الأخبار أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم سحر ، وأن السحر عمل فيه . النوع الثاني : هل يجوز تعلم السحر أم لا ؟ فقال الرازي : إن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور ، اتفق المحققون على ذلك ، فإن العلم لذاته شريف ، ولأنه لو لم يعلم ما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة ، والعلم بكون المعجز معجزاً واجب ، وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب ، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً ، كيف : يكون حراماً وقبيحاً ، هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة ، وفيه نظر من وجوه . الأول : قوله : العلم بالسحر ليس بقبيح ، إن عنى به ليس بقبيح عقلاً فمخالفوه من المعتزلة يمنعون ذلك ، وإن عنى ليس بقبيح شرعاً ففي قوله تعالى : * ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين . . . ) * ( البقرة : 201 ) . الآية تبشيع لتعلم السحر . وفي ( الصحيح ) : ( من أتى عرافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) . وفي السنن : ( من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر ) . الثاني : قوله : ولا محظوراً ، اتفق المحققون على ذلك ، وكيف لا يكون محظوراً مع ما ذكرنا من الآية والحديث ، والمحققون هم علماء الشريعة ، وأين نصوصهم على ذلك ؟ الثالث : قوله : ولأنه لو لم يعلم . . . إلى آخره ، كلام فاسد ، لأن أعظم معجزات رسولنا صلى الله عليه وسلم : القران العظيم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه : * ( تنزيل من حكيم حميد ) * ( فصلت : 24 ) . الرابع : قوله : والعلم بكونه معجزاً ، وهذا العلم لا يتوقف على علم السحر أصلاً ، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز ويفرقون بينه وبين غيره ، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه ، والذي نص عليه العلماء والفقهاء أن تعلم السحر وتعليمه من الكبائر . وفي ( التلويح ) : وقال بعض أصحاب الشافعي : تعلمه ليس بحرام ، بل يجوز ليعرف ويرد على فاعله ويميز عن الكرامة للأولياء . قلت : الظاهر أن مراده من بعض أصحاب الشافعي الرازي ، وقد ردينا عليه ، ومنهم الغزالي . النوع الثالث : اختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله . فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يكفر بذلك ، وعن بعض الحنفية : إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر ، ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أن ينفعه ، كفر وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر . وقال الشافعي : إذا تعلم السحر ، قلنا له : صف لنا سحرك ، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة ، وأنها تفعل ما يلتمس منها ، فهو كافر ، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر . النوع الرابع : في قتل الساحر . قال ابن هبيرة : هل يقتل بمجرد فعله واستعماله ؟ فقال مالك وأحمد : نعم . وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يقتل حتى يتكرر منه الفعل أو يقر بذلك في شخص معين ، فإذا قتل فإنه يقتل حداً عندهم إلاَّ الشافعي ، فإنه قال : والحالة هذه قصاصاً ، وأما ساحر أهل الكتاب فإنه يقتل عند أبي حنيفة ، كما يقتل الساحر المسلم . وقال الشافعي ومالك وأحمد : لا يقتل لقصة لبيد بن أعصم . واختلفوا في المسلمة الساحرة ، فعند أبي حنيفة : أنها لا تقتل ، ولكن تحبس . وقالت الثلاثة : حكمها حكم الرجل . وقال أبو بكر الخلال : أخبرنا أبو بكر المروزي ، قال : قرىء على أبي عبد الله يعني : أحمد بن حنبل حدثنا عمر بن هارون حدثنا يونس عن الزهري ، قال : يقتل ساحر المسلمين . ولا يقتل ساحر المشركين ، لأن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها . وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر : أحدهما : يستتاب ، فإن أسلم وإلا قتل ، والثانية : أنه يقتل ، وإن أسلم . النوع الخامس : هل تقبل توبة الساحر ؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما : لا تقبل . وقال الشافعي وأحمد