العيني
34
عمدة القاري
بالفاء ، فإن صحت هذه فيجوز فيه الجر أيضاً ، ولا يخفى ذلك على من يتأمل فيه . قوله : ( قال : فالثلث ؟ ) نصب على الإغراء ، ويجوز الرفع على الفاعل ، أي : يكفيك الثلث ؟ أو على تقدير الابتداء والخبر محذوف أو على العكس . قوله : ( والثلث كثير ) ، بالثاء المثلثة أو بالباء الموحدة . وقوله : ( قلت : فالثلث ؟ قال : الثلث ، والثلث كثير ) ، كذا هو في أكثر الروايات ، وفي رواية الزهري في الهجرة : ( قال : الثلث يا سعد ، والثلث كثير ، وفي رواية مسلم عن مصعب بن سعد عن أبيه : ( قلت : فالثلث ؟ قال : نعم ، والثلث كثير ) . وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الباب الذي يليه : ( قال : الثلث ، والثلث كثير أو كبير ) . وفي رواية النسائي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد بلفظ : ( فقال : أوصيت ؟ قلت : نعم ، قال : بكم ؟ قلت : بمالي كله . قال : فما تركت لولدك ؟ وفيه : أوصِ بالعشر ؟ قال : فما زال يقول وأقول حتى قال : أوص بالثلث ، والثلث كثير أو كبير ) يعني : بالمثلثة أو بالموحدة ، وهو شك من الراوي ، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة ، ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه . قوله : ( إنك إن تدع ) ، قد مر الكلام فيه في أول الباب وقال النووي : فتح : ( إن ) وكسرها صحيحان ، يعني : بالفتح تكون للتعليل ، وبالكسر تكون للشرط . وقال القرطبي : لا معنى للشرط هنا لأنه يصير لا جواب له ويبقى : خير ، لا رافع له ، وقال ابن الجوزي : سمعناه من رواة الحديث بالكسر ، وأنكره شيخنا عبد الله بن أحمد ، يعني : ابن الخشاب ، وقال : لا يجوز الكسر ، لأنه لا جواب له لخلو لفظ : خير ، من الفاء ، انتهى . قلت : هذا كلام ساقط من رجل ضابط ، وقد قلنا : إن الفاء حذفت وتقديره : فهو خير ، وحذف الفاء من الجزاء سائغ شائع غير مختص بالضرورة . قوله : ( ورثتك ) ، قيل : إنما عبر بلفظ : الورثة ، ولم يقل : أن تدع بنتك ، مع أنه لم يكن له يومئذ إلاَّ ابنة واحدة لكون الوارث حينئذ لم يتحقق ، لأن سعداً إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض وبقائها بعده حتى ترثه ، فأجابه صلى الله عليه وسلم بكلام كلي مطابق لكل حاله ، وهو قوله : ( ورثتك ) ، ولم يخص بنتاً من غيرها . وقيل : إنما عبر : بالورثة ، لأنه اطلع على أن سعداً سيعيش ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة ، فكان ذلك ، وولد له بعد ذلك أربعة بنين ، ولا أعرف أسماءهم ، ولعل الله أن يفتح بذلك ، وهذا ذهول شديد منه ، فإن ثلاثة من أولاده مذكورون في رواية هذا الحديث عند مسلم من طريق عامر ومصعب ومحمد ثلاثتهم عن سعد ، والرابع وهو عمر ابن سعد في موضع آخر ، وله غير هؤلاء من الذكور : إبراهيم ويحيى وإسحاق وعبد الله وعبد الرحمن وعمرو وعمران وصالح وعثمان وإسحاق الأصغر وعمر الأصغر وعمير مصغراً وغيرهم ، ومن البنات : ثنتا عشرة بنتاً ، وقيل : لأن ميراثه لم يكن منحصراً في بنته ، وقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك منهم : هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين . قوله : ( عالة ) أي : فقراء ، وهو جمع : عائل ، وهو الفقير من : عال يعيل إذا افتقر ومر تفسيره : يتكففون ، في أول الباب . قوله : ( في أيديهم ) أي : بأيديهم ، أو المعنى : يسألون بالكف اللقاء في أيديهم . قوله : ( وإنك ) ، عطف على قوله : ( إن تدع ) وهذا كأنه علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث ، فينحل التركيب إلى قوله : لا تفعل ، لأنك إن مت تركت ورثتك أغنياء ، وإن عشت تصدقت وأنفقت ، فالأجر حاصل لك حياً وميتاً . قوله : ( فإنها صدقة ) أي : فإن النفقة صدقة ، وأطلق الصدقة في هذه الرواية وفي رواية الزهري : ( فإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلاَّ أجرت بها ) ، وفيه ذكرها مقيدة بابتغاء وجه الله وعلق حصول الأجر بذلك وهو المعتبر . وفيه دلالة على أن أجر الواجب يزداد بالنية ، لأن الأعمال بالنيات . قوله : ( حتى اللقمة ) ، حتى هذه ابتدائية ، يعني : حرف ابتداء ابتدأ بعده إما جملة اسمية ، كما في قوله : حتى ماء دجلة ، أشكل ، أو فعلية ، كما في قوله : حتى عفوا ، وهنا الجملة اسمية من المبتدأ والخبر ، وقال بعضهم : حتى اللقمة ، بالنصب عطفاً على نفقة ، وفيه نظر ، قوله : ( إلى في امرأتك ) أي : إلى فم امرأتك . فإن قلت : ما وجه تعلق النفقة بقصة الوصية ؟ قلت : لما كان سؤال سعد مشعراً برغبته في تكثير الأجر ومنعه صلى الله عليه وسلم من الزيادة على الثلث ، قال له مسلياً : إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة ، ومن نفقة ، ولو كانت واجبة توجر بها إذا ابتغيت بذلك وجه الله تعالى . فإن قلت : ما وجه تخصيص المرأة بالذّكر ؟ قلت : لأن نفقتها مستمرة بخلاف غيرها . قوله : ( عسى الله أن يرفعك ) ، أي : يطيل عمرك ، وكذلك اتفق فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة ، لأنه مات سنة خمس وخمسين من الهجرة . وقيل : سنة ثمان وخمسين ، فيكون عاش بعد حجة الوداع خمساً وأربعين أو ثمانياً وأربعين سنة . قوله : ( فينتفع بك ناس ) أي : ينتفع بك المسلمون بالغنائم مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك ، ويضرّ بك المشركون الذين يهلكون على يديك ، وزعم ابن التين أن المراد بالنفع به ما وقع من الفتوح على يديه : كالقادسية وغيرها ، وبالضرر ما وقع من تأمير